شارل قرم الفرنكوفوني في اللبنانية الأَميركيةبعد انقطاع السنوات الثلاث الأَخيرة عن النشاط الحُضُوري بسبب الأَوضاع الأَمنية والصحية، عاد “مركز التراث اللبناني” في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU إِلى نشاطه الدَوري منظِّمًا نَدوةً بالفرنسية توازيًا مع احتفالات “المهرجان الدُوَلي والفرنكوفوني للكتاب – بيروت الكتُب ٢٠٢٢”، خصَّصها للشاعر اللبناني الفرنكوفوني شارل قرم (١٨٢٤-١٩٦٣).

افتتح الندوةَ رئيسُ الجامعة الدكتور ميشال معوَّض بكلمةٍ جاء فيها: “… مع أَن جامعتنا لبنانية أَميركية تعتمد الإِنكليزية، لم يكن ممكنًا أَن تغيب عن مهرجان “بيروت الكُتُب”. وهي – إِضافةً إِلى نشاط مركز التراث اللبناني فيها – تواصل رسالتها الموسَّعة بأَن الجامعة لا تنحصر في محاضرات وأَبحاث بل تنفتح على أُفق ثقافي واسع، فتقدِّم لطالباتها وطلَّابها تراثًا غنيًّا متنوِّعًا يكون لهم منارًا يَهدي خطاهم إِلى مستقبل مثْمر في مجتمعهم، فيُسهمون في معالجة أَحواله نحو الأَفضل. ويكون هذا دورَهم بعد التخرج، فاللبناني ليس مَن يحمل جوازًا أَو بطاقة لبنانية بل مَن يحمل كُنُوز إِرثٍ من الجدُود”. واستشهد معوَّض بمقطع من محاضرة شارل قرم على منبر “الندوة اللبنانية” في ٧ حزيران ١٩٤٩ لمناسبة انعقاد الجمعية العمومية الثالثة لليونسكو في بيروت: “في زاوية دهرية من الشرق الأَدنى، بلدٌ مبدع صغير كان خلال حقبات مختلفة من تاريخه بطلًا إِنسانيًّا حقيقيًّا. هذا البلَد هو لبنان”.

بعد كلمة الرئيس كانت كلمة مدير “مركز التراث اللبناني” في الجامعة الشاعر هنري زغيب، استهلَّها بمقطع من خطاب شارل قرم خلال مؤْتمر الإِنسانية في موناكو ١٩٣٥، جاء فيه: “اللبنانيون، منذ الزمن السحيق، خلَقوا حضارة ليبرالية منفتحة، حافظوا عليها ودافعوا عنها وثبَّتُوها ذاَت اتجاهات كونية أَخذَتْها عنهم شعوبٌ كثيرة وتبنَّتْها”. هكذا كانت رسالة شارل قرم: أَن يُبْرز آفاق لبنان العبقرية وإِشْعاعها على بلدان العالم وشعوبها”. وأَضاف زغيب: “لبنان قويٌّ برغم صَلْبه المتكرر، صامدٌ برغم جلجُلاته المتتالية، خالدٌ برغم المحاولات الشيطانية لتذويبه. وها هو، منذ مجاهل التاريخ حتى عصر النهضة، باقٍ أَبدًا حاجة إِنسانية وإِبداعية تشعُّ من قممه على “الجبل الملهَم” كما غنَّى أَرزَه شارل قرم”.

المحامي والكاتب أَلكسندر نجَّار جال على “شارل قرم رائد الفرنكوفونيا في لبنان”، مركِّزًا على أَنها “ليست إِرث الانتداب لأَن الفرنسية كانت رائجة قبْله في لبنان. من هنا أَن الرئيس شارل حلو أَسهم في تأْسيس “منظمة الفرنكوفونيا الدولية”، وأَن الـ”أُوريان لوجور” ما زالت تصدر، وأَن في لبنان وخارجه كتَّابًا بالفرنسية (جورج شحادة، صلاح ستيتيه، أَمين معلوف، ناديا تويني، فينوس خوري غاتا، …). والفرنكوفونيا اللبنانية بدأَت منذ قرن كامل مع خليل غانم وخيرالله خيرالله وشكري غانم ومسرحيته “عنتر” (١٩١٠ )، ثم كان شارل قرم بمطبوعته “المجلة الفينيقية” وتيارها الأَدبي ومؤَلفاته التي خلَقَ فيها مناخًا واسعًا للأَدب الفرنكوفوني في لبنان حتى بات في حق وإِنصاف رائد هذا الأَدب”.

الدكتور جورج دورليان تحدَّث في “شارل قرم والبحث عن هوية وطنية”، معتبرًا أَن هذا الشاعر “متميِّز في كتاباته وجرأَته في التعبير عن مبادئه وقناعاته ورؤْياه البانورامية الثقافية والتاريخية لدى أَسلافه في مفهوم اللبنانية. وكل ذلك مغمورٌ لديه بتراث أُسطوري في متخيَّله الغني”. ورأَى دورليان أَن “لبنانية شارل قرم حصيلةُ فكرةٍ ثقافية عن التراث، هي مزيج من الأُسطورة والتاريخ، في مفهومٍ إِيديولوجي عن أُمَّة لبنانية حديثة وريثةِ حضارات كبرى شرقية ومتوسطية. فهو كان يحلم بلبنانٍ يكون عنوانًا للتاريخ وهمزة وصل بين الشرق والغرب”. وبعدما جال دورليان على فكرَتَي القومية العربية والقومية السورية خلُص إِلى أَن كلتَيهما تذوب حزبيًّا في مجريات الحياة السياسية اليومية، فيما الفكرة اللبنانية تواصل ترسُّخها لأَنها ليست حزبًا، ولا إِيديولوجيا جامدةً لها، والمؤْمنون بها لا يجمعهم خطاب سياسي موحَّد بل تنوُّعٌ غنيٌّ في الانتماء الراسخ إِلى فكرة لبنان”. وكان الحضور قبل الندوة تجوَّلوا في معرض من محفوظات “مؤَسسة شارل قرم” ضمَّ صُوَرًا له في مناسبات عدة، ومجموعةً من مؤَلفاته الكاملة تصفَّحها الحضور قبل دخولهم إِلى مسرح غولبنكيان حيث جرَت الندوة.