عايدة حسيني – عقد مؤتمر حول أهمية وقف التعذيب وإقرار قانون استقلالية القضاء قُدم خلاله ورقة بحثية أعدها محامون من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين بالتعاون مع مؤسسة فردريتش إيبرت لتقديم الورقة البحثية التي أعدها محامون من لجنة الدفاع عن المتظاهرين بالتعاون مع مؤسسة فردريتش إيبرت – مكتب لبنان بعنوان “قانون تجريم التعذيب: التعطيل ودور والقضاء”. حضر المؤتمر، النواب: إبراهيم منيمنة، حليمة قعقور، فراس حمدان، غسان مخيبر، ميشال دويهي، ممثل عن قيادة الجيش، الرائد حسن فياض، وممثل عن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني النقيب فايز الساحلي، القاضية هانية الحسن ممثلة نادي القضاة، المدعي العام السابق القاضي حاتم ماضي، المحامية غيدة فرنجية من المفكرة القانونية، المدير التنفيذي لشبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية زياد عبد الصمد، عضو الهيئة الوطنية لحقوق الانسان بسام القنطار، المديرة التنفيذية لجمعية ريستارت دلال خواجة، سحر مندور من منظمة العفو الدولية، عصام سباط من المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وحشد من القانونيين والمهتمين بقضايا حقوق الإنسان.
المحامون الذين أعدوا الورقة البحثية: لمى الأمين، مايا دغيدي، فاروق المغربي، مازن حطيط.
بدأ المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني، ثم كلمة افتتاحية وترحيبية من الإعلامية إلسي مفرّج، أشارت فيها إلى أن “القوانين في لبنان تأخذ سنوات من أجل أن تصدر وعندما تصدر تتضمن أفخاخاً وثغرات تستخدم كحجج للتمنع عن تطبيقها، ومن بين هذه القوانين قانون تجريم التعذيب الذي استمرت جرائم التعذيب بعد صدوره من دون أن تصل أي من الشكاوى المقدمة في هذا الإطار إلى نتيجة”.
وتم عرض إنفوغراف حول أبرز معوقات تطبيق قانون تجريم التعذيب والثغرات التي تعتريه، تلاه كلمة لمديرة البرامج في مؤسسة فردريتش إيبرت – مكتب لبنان إلهام برجس قالت فيها: “اليوم مطلب استقلالية القضاء لم يعد مطلباً يهدف إلى تحقيق العدالة ووضع حد للإفلات من العقاب ونقطة على السطر. اليوم تحوّلت استقلالية القضاء لتكون مطلباً شعبياً وعاماً يسعى إلى تحصيل الحماية”.
وأضافت: “لم يعد من الممكن اليوم تظهير استقلالية القضاء وكأنه مطلب متصل بالقضاة وتعزيز سلطتهم أي كأنه فقط للجسم القضائي، بل هو مطلب الناس، كضمانة لحماية الحقوق والحريات والأداء الديمقراطي”، مشيرة إلى أن “كل من تعرّض إلى تعذيب أو إساءة معاملة يعرف جيداً أن لا سبيل له لجبر الضرر، على الرغم من وجود قانون، إذا القضاء لم يكن مستقلاً”.
وتابعت: “هذا الواقع شكّل أرضية لإعادة التفكير بمقارب بدعم مطلب استقلالية القضاء ضمن مؤسسة فريدريش ايبرت، وفتح الباب للتطلع للتعاون وتأمين الدعم للعمل اللازم للاضاءة على الأثر المباشر للتدخل السياسي باستقلالية القضاء على حريات الأفراد وعلى أمانهم وكرامتهم، وعلى قدرتهم على التعبير. وتبني التوجه القائل أن الأولوية اليوم هي للعمل المكثّف نحو تطبيق قانون تجريم التعذيب والضغط باتجاه سد ثغراته وإجراء التعديلات اللازمة ضمنه هذا من جهة، ومن جهة ثانية العمل المكثّف على إبراز أهمية وأولوية إقرار قانون استقلالية القضاء في سياق مناهضة التعذيب خصوصاً وحماية الحريات الفردية عموماً”.
بعدها، قال المغربي: “ما بين السياق القانوني لمناهضة التعذيب قبل إقرار القانون وبعده، كما السياق القانوني قبل الانضمام إلى الاتفاقية الدولية وما بعده، لم يحصل أي خرق يذكر لسبب رئيسي وهو عدم وجود أي حكم يجرم التعذيب أو المعذب حتى تاريخه”.
ونوّه إلى “صدور تقرير عن لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة سنة ٢٠١٣ تؤكد إن هناك تعذيباً ممنهجاً في لبنان وأن التعذيب ممارسة متفشية فيه، وصدور بيان في أيار الماضي عن وفد من اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب في الأمم المتحدة كان قد زار لبنان، وأكد أن الحكومة اللبنانية لم تقم بأي تحسينات في موضوع التعذيب وأن الأمور لا تزال سيئة والدولة اللبنانية لم تنفذ أي من هذه التوصيات، إضافة إلى التقرير الذي صدر في أيار الماضي عن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان متضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، والذي يؤكد على وجود حالات تعذيب في لبنان”.
واستند المغربي إلى كُل ذلك ليقول إن القانون اليوم لا يُطبق والتعذيب مستمر، معتبراً أن “الانحلال الذي وصلنا إليه هو نتيجة سياسة عدم المحاسبة، لقد زرعنا وحصدنا، ولم نصل إلى هذه المرحلة بالصدفة، هي تراكم سنوات من عدم المحاسبة وعدم تطبيق القوانين”.
ثم أخذت الأمين الكلام لتتحدث عن القضاء المسيّس في لبنان، وقالت: “الإشكاليات الجوهرية تفرغ القانون من مضمونه من خلال تدخل السلطة السياسية بعمل السلطة القضائية لمنع تطبيق القانون”، مشيرة إلى أن “التأخير بإقرار قانون يضمن استقلالية السلطة القضائية وهذا يعود إلى بنية النظام القضائي في لبنان الذي يحتوي على مخالفات صارخة تتعارض ومبدأ فصل السلطات من أجل محاكمة عادلة والمساواة بين الأفراد أمام القانون والقضاء”.
وأضافت: “تعيين القضاة من قبل السلطة التنفيذية لاسيما في المراكز الأساسية حسب الطوائف والانتماءات الحزبية لاسيما في النيابات العامة كاف للتكلم عن ضرب استقلالية القضاء وتعطيل الحق العام ويمتد هذا الموضوع إلى إشكالية أخرى، وهي؛ ممن يتألف مجلس النواب وطبعاً هو مكوّن بغالبيته من أحزاب سياسية شاركت في الحرب الأهلية وتعتمد معايير مانعة للمحاسبة”.
وتابعت الأمين: “عند صدور قانون تجريم التعذيب تركت الجهة القضائية صاحبة الصلاحية لجهة الادعاء والمتابعة ضبابية والتي يستفيد منها لإحالة الشكاوى أمام القضاء العسكري والاستثنائي وتوسيع صلاحياته مجدداً والمشكلة الأساسية في القضاء العسكري هي كيفية تعيين القضاة إذ أن رؤساء هذه المحاكم وأعضاءها العسكريين يبقوا تابعين خلال توليهم مناصبهم في القضاء العسكري مباشرة إلى وزارة الدفاع والأنظمة العسكرية المرتبطين بها، وبالتالي هناك تقاطع بين التدخل السياسي في العمل القضائي من باب السلطة التنفيذية والتدخل العسكري في العمل القضائي من باب المؤسسات العسكرية والأمنية ووزارة الدفاع”.
من جهته، قال حطيط: “التعذيب الممنهج نضعه ضمن الإطار العلمي، وبالمسار الذي نمشي فيه توازياً مع انهيار الدولة والمؤسسات، وبالتالي نحن ذاهبون إلى مكان خطر جداً خاصة مع نسب القضايا إلى حالات فردية كنوع من الإنكار”.
وأضاف: “المشرّع اشتغل على إقرار القانون، خالف الاتفاقية الدولية لتعريف التعذيب من خلال تضييق إطاره الزمني وإدخال مفهوم مرور الزمن عليه وعدم نصه على تجريم محاولة التعذيب وغياب آليات جبر الضرر وتأهيل الضحايا، وحصر القانون بمرحلة الاستقصاء والتوقيف، ورأينا في الكثير من الحالات الموثقة كيف مورس التعذيب في الاعتقال وفي الطريق إلى مراكز الاعتقال”.
وتابع: “في الشق القضائي، المشرّع تغاضى عمّا ورد في الأسباب الموجبة للقانون فيما خص حصر التحقيقات والملاحقة أمام القضاء العدلي العادي مما أعطى فرصة للنيابات العامة لإحالتها إلى المحاكم الاستثنائية والعسكرية مثالاً”.
وقالت دغيدي: “في الدراسة استعرضنا الإشكاليات الأساسية التي وقفت عائقاً أمام تطبيق القانون وقاربنا الحلول بمعايير واضحة تتمثل أولاً في تطبيق مبدأ فصل السلطات ومن ثم تعديل القانون وآليات تطبيقه وأخيراً معايير تتعلق بالرقابة والأجهزة الرقابية”.
وأضافت: “فصل السلطات هو مبدأ دستوري يوجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة، وطالما أنها تعيّن من قبل السلطة التنفيذية لن نستطيع أن نتحدث عن استقلالية وحيادية في اتخاذ القرارات وتطبيق القوانين من قبل القضاة لذلك كل حل يبدأ بإقرار قانون استقلال السلطة القضائية علماً أن في مجلس النواب اليوم هناك مشاريع قوانين وأبرزها مشرع قانون استقلال السلطة القضائية المقدم من النائب بولا يعقوبيان والمفكرة القانونية في عام ٢٠١٨ وهذا القانون إذا تم إقرار بروحيته نكون أمام قفزة إصلاحية نوعية في عمل القضاء”.
واعتبرت أنه على “كل سلطة اليوم أن تتحمل مسؤولية معالجة تطبيق القانون ٦٥، ونبدأ بالسلطة التشريعية التي عليها أن تعدل في هذا القانون الحالي بما ينزع إمكانية الاستنسابية في تطبيقه كما جرى في شكاوى التعذيب المقدمة لمتظاهري ١٧تشرين التي تحولت إلى المحكمة العسكرية في مخالفة واضحة وصريحة للقانون، والتعديلات المطلوبة هي لتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة وأبرزها توسيع التعريف، إعلان اختصاص القضاء العدلي بشكل واضح، رفع قواعد مرور الزمن عن جرائم التعذيب لأن مرور الزمن ليس حق للمجرم وإنما حق للمجتمع في استقراره فلا استقرار دون محاسبة القوّة العامّة على جرائم التعذيب بحق الموقوفين”.
وأشارت إلى أن “المسؤولية أيضاً تقع على السلطة التنفيذية لوضع آلية تضمن حقوق الدفاع بالتنسيق مع نقابتي المحامين بالقيام بالتدريبات والتوعية للقيمين على تطبيق القانون والمساءلة والحاسبة في حال عدم احترام القانون”.
وختمت: “أيضاً المسؤولية تقع على القضاء وعلى النيابات العامة بالتحديد لأنها بدل حماية الصالح العام والدفاع عن الحق العام شاهدناها تعمل لمصلحة السلطة السياسية والنظام السياسي، فمسؤولية النيابة العامة تطبيق القانون والاستفادة من الثغرات لتمكين المذنبين من الإفلات من المحاسبة وحرمان الضحايا من الوصول إلى العدالة”.
في الشق الثاني من المؤتمر، فتح باب النقاش بين المشاركين، وخلاله أشار القنطار إلى “اقتراح التعديل الذي نوقش في عام ٢٠١٨ والذي قدمه النائب علي خريس والذي كان سيشوّه القانون، وحظنا جيد أنه لم يُقرّ. كذلك، لجنة حقوق الانسان النيابية أعادت التأكيد على النص المشوّه المقترح من خريس ومن التوقع عرضه على الهيئة العامة من جديد”، واقترح القنطار أن يتم العمل على سحب القانون من التصويت ومناقشته وإدخال التعديلات اللازمة عليه”. ولفت القنطار إلى قضية الضحية محمد الحاج، والتي يتابعونها اليوم مع مجموعة من المحامين، والعنف الكبير الذي تعرض له أثناء توقيفه في مركز أمني، وقال: “لقد وصلنا للضحية في اليوم التالي واستطعنا أن نوثق التعذيب الحاد الذي تعرّض له، والأهم من كل ذلك أن مدعي عام التمييز غسان عويدات مرة جديدة كان يريد تحويل القضية إلى النيابة العامة العسكرية ولكننا استطعنا إبقاء الملف في عهدة القضاء العدلي وسنقاتل من أجل أن نصل إلى نتيجة”.
وتابع: “لا يمكن تطبيق القانون ٦٥/٢٠١٧ دون تفعيل القانون ٦٢/٢٠١٦ الذي يكفل إنشاء آلية وطنية وقائية من التعذيب، والقانون ١٩١/٢٠٢١الذي يكفل إجراءات تحمي الموقوفين من التعذيب أثناء التحقيقات الأوليّة”.
وطالب القناطر “وزارة العدل بالكف عن التدخل في شؤون الهيئة الوطنية لحقوق الانسان ووقف عرقلة إقرار مراسيمها التنظيمية كي تستطيع القيام بمهامها”.
من جهته، لفت ممثل قيادة الجيش إلى أنهم يقومون بدورهم وهناك آلية للشكاوى التي ترد عن السجون و”نحن نعالجها ونعمل بكل شفافية ونحاسب كل عنصر يرتكب مخالفات”.
وردت الأمين على كلام فياض، وقالت: “المشكلة في هذا الكلام أنني لا أقدر أن أناقشك لأننا لا نعلم ما هي العقوبة التي اتخذتموها ومن هم العناصر التي ترتكب المخالفات. ما نطلبه هو أن نعرف كيف تتصرفون مع انتهاكات العناصر التابعة لكم”. ووعدت النائب قعقور أنها ستحضر كل اللجان ولن تفوت شيئاً، “فالمشكلة في النصوص وفي ثقافة التسخيف السائدة التي تؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان. والمشكلة أيضاً هي التحجج بهيبة الجيش للتهرّب من المحاسبة. ولكن الهيبة تتمثل بثقتنا بالمؤسسات العسكرية والثقة اليوم غير موجودة واسترجاع الهيبة تتطلب أن يكون هناك محاسبة فعالة”.من جهته، قال حمدان: “نحن معنيون اكثر من غيرنا بهـذا القانون لأننا شهدنا التعذيب، القانون فيه ثغرات كثيرة ولا يلبي الطموحات. تنوعنا كنواب جدد سيعطينا القوة لمتابعة هذا الملف”. وأضاف: “على الصعيد الشخصي شهدت مخالفات وانتهاكات كبيرة خلال الثورة، والمؤسسة العسكرية ليست أكبر من أحد والمحاسبة يجب ان تطال جميع المنتهكين، ويجب تغيير العقلية السائدة حفاظاً على كرامة الجيش وهيبته وحب الناس له”.