عبد الحكيم محمود -قام العلماء لأول مرة بزراعة نباتات في تربة القمر التي تم جمعها بواسطة بعثات أبولو ١١ و١٢ و١٧ في عامي ١٩٦٩ و١٩٧٢، وقد أراد الباحثون من تجربتهم هذه معرفة ما إذا كانت النباتات ستنمو في تربة القمر، وإذا كان الأمر كذلك كيف ستستجيب النباتات للبيئة غير المألوفة وصولا إلى مستوى التعبير الجيني.
جاء ذلك في ورقة بحثية جديدة نشرت في دورية “كوميونيكيشنز بيولوجي” (communications biology)، والتي أظهر فيها الباحثون من جامعة فلوريدا أن النباتات يمكن أن تنبت وتنمو بنجاح في تربة القمر.
وحول الدراسة، قال البيان الصادر عن الجامعة في ١٢ مايو/أيار الجاري إن الدراسة بحثت أيضا في كيفية استجابة النباتات بيولوجيا لتربة القمر، والتي تختلف اختلافا جذريا عن التربة الموجودة على الأرض. وتأتي هذه الدراسة في الوقت الذي يخطط فيه برنامج تتبناه وكالة ناسا -والتي أصدرت هي الأخرى بيانا حول نتائج الدراسة- لإرسال البشر إلى القمر، وهو برنامج رحلات فضائية تابع للوكالة ولشركات الفضاء التجارية الأميركية والشركاء الدوليين مثل وكالة الفضاء الأوروبية، ويهدف إلى الهبوط بـ”أول امرأة ورجل” على منطقة القطب الجنوبي للقمر بحلول عام ٢٠٢٤.
ويعتبر العلماء هذه الدراسة خطوة نحو زراعة النباتات ذات يوم من أجل الغذاء والأكسجين على القمر أو أثناء الرحلات الفضائية. ووفقا للبيان، تقول آنا ليزا بول أستاذة علوم زراعة نباتات البساتين في معهد جامعة فلوريدا للعلوم الغذائية والزراعية (uf institute of food and agricultural sciences) المؤلفة المشاركة في الدراسة “يمكن للنباتات أن تنمو في تربة القمر”.وهذه العبارة البسيطة لها معنى كبير وتفتح الباب لاستكشاف المستقبل باستخدام الموارد الموجودة على القمر والمريخ على الأرجح، فقد ساعدت النباتات في وقت سابق على إثبات أن عينات التربة التي تم إحضارها من القمر لا تحتوي على مسببات الأمراض أو غيرها من المكونات غير المعروفة التي من شأنها الإضرار بالحياة الأرضية، ولكن تلك النباتات كانت تنثر فقط على الثرى القمري ولم تزرع بالفعل”. من ناحية أخرى، يقول روب فيرل أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ علوم البستنة في نفس المعهد إن برنامج الرحلات الفضائية سيتطلب فهما أفضل لكيفية زراعة النباتات في الفضاء، مضيفا “بالنسبة للبعثات الفضائية المستقبلية الأطول قد نستخدم القمر منصة انطلاق، ومن المنطقي أننا نرغب في استخدام التربة الموجودة بالفعل لزراعة النباتات”.
وحول التساؤلات التي طرحها البحث يقول فيرل “ماذا يحدث عندما تزرع نباتات في تربة القمر؟ وماذا ستفعل النباتات في صوبة قمرية (غرفة زجاجية تُدفأ وتعد لتربية بعض أنواع النبات)؟ وهل يمكن أن يكون لدينا مزارعون على سطح القمر؟”.وللإجابة عن هذه الأسئلة، قام الفريق العلمي بتصميم تجربة بسيطة لزرع البذور في تربة القمر التي تقدر بحوالي ١٢ غراما، والتي تم جمعها من بعثات أبولو السابقة بعد أن أضيف إليها الماء والمغذيات والضوء، وتم تسجيل النتائج. قام الباحثون بوضع التربة في أطباق بلاستيكية تستخدم عادة لزراعة الخلايا، حيث وزعوا التربة في 12 حاوية صغيرة في كل منها غرام واحد من تربة القمر، وقاموا بترطيب التربة بمحلول مغذي وإضافة بعض البذور من نبات حب الرشاد (arabidopsis thaliana)، وشاهدوها وهي تنبت وتنمو، وقد سمح نمو نبات حب الرشاد في التربة القمرية للباحثين بمزيد من الملاحظة والتركيز في كيفية تأثير التربة على النباتات، وصولا إلى مستوى التعبير الجيني. وقبل التجربة لم يكن الباحثون متأكدين مما إذا كانت البذور المزروعة في تربة القمر ستنبت، ولكن -كما قال بول- “لقد اندهشنا ولم نتوقع ذلك”، حيث تبين لنا أن تربة القمر لم تقاطع الهرمونات والإشارات التي تدخل في إنبات النبات”. وبحسب البيان، فقد كان نمو النباتات على تربة القمر أضعف من نموها على تربة الأرض، وكانت أيضا أبطأ نموا وأصغر حجما، وبشكل عام كانت جذورها أشد تقزما، وتظهر عليها سمات الإجهاد، مثل صغر حجم الأوراق ولونها الأسود المشوب بمسحة حمراء داكنة، وهو شيء غير معتاد بالنسبة للنباتات التي تنمو نموا صحيا.
كما ظهرت على النباتات المزروعة على تربة القمر علامات جينية تدل على هذا الإجهاد بصورة تشبه ما يترتب على تفاعلات النبات مع الملح والمعادن والتي تتعرض لعمليات الأكسدة. لقد كان ذلك النمو للنباتات “شيئا رائعا” بالنسبة للفريق البحثي، حسب وصف بيان الجامعة. ويقول فيرل “تعد رؤية النباتات وهي تنمو إنجازا لأنها تعني أن بإمكاننا الذهاب إلى القمر وزراعة طعامنا وتنظيف هوائنا وإعادة تدوير مياهنا باستخدام النباتات بنفس الطريقة التي نستخدمها بها هنا على الأرض”.