نبيل الزعبي – في الخامس عشر من شهر ايار القادم من هذا العام ٢٠٢٢، وكما اعلنت وزارة الداخلية عن اجراء الاستحقاق النيابي المقبل في هذا الموعد ، سيكون امام اللبنانيين مواجهة واحداً من اهم الاستحقاقات الديموقراطية التي بها من الممكن ،بل من غير المستحيل ، اجراء بعض التغييرات الجذرية في التشكيلة المرتقبة للمجلس النيابي القادم ، وبالتالي فإن أسابيع قليلة تفصلنا عن هذا الاستحقاق ، ينبغي ان تدفع بمختلف القوى التغييرية الى الاستفادة من هذه المدة الزمنية لتكثيف التشاور والاعداد السليم في كيفية اختيار مرشحيها وتوفير كافة سبل الدعم لهم وفق التزامهم بخريطة طريق ، على الاحرار انتهاجها ، كبوصلةٍ ليس امام اللبنانيين سواها ، وهم ينشدون الخلاص من طغمةٍ سياسية فاسدة تتحكم برقاب الناس ولم تزل ، ضمن منظومةٍ واحدة موزعة على مختلف الطوائف والمذاهب اللبنانية وقد تفننت في ايهام اللبنانيين انها على تناقض فيما بينها استدراراً لعطفهم اولاً ، وإمعاناً في تجييشهم داخل حظائرها بالخطاب التحريضي التخويفي من الآخر
ثانياً ،بغية تعبيد الطريق لكل طرف من اطرافها كي يعود ويستنهض قواعده الطائفية ويخرج امام جمهوره بصفة المخلّص ، سيّما وانه مع هذا الاستحقاق ، ستُستَحضَر مختلف عمليات شد العصب الطائفي والمذهبي التي ستكون في صلب الخطاب الانتخابي المتبادل لتستفيد منه الاطراف جميعها بتخويف كل طرف لجماعته من الطرف الآخر ،وبذلك تكتمل مقومات المسرحية ويثبِّت “الامراء” اقدامهم على خشبتها من جديد :
-بعضهم حاملاً لواء استعادة الصلاحيات التي انتزعها الطائف من موقعه كممثل اول للطائفة ،ولو اقتضى ذلك تقديم أسوأ ما افرزه من رموز فاسدة لتمثيله من جديد ، غير مبالٍ بما اغرق البلاد من مديونية تقارب نصف المديونية العامة وصدق قوله عندما وعد اللبنانيين ب” جهنّم الحمرا ” ،
-وبعضهم ، الذي عزم على تصحيح ما آلت اليه اوضاع “الطائفة “بعد كل ما قدم “ولي نعمته “من تنازلات مهينة واخرج نفسه صاغراً من اللعبة السياسية ، وكأن الطائفة مجرّد خزان بشري لا يُلجَأ اليه الا عند تعويم من ليس في “جيناتهم ” ما يمت الى الناس ومعاناتهم بأية صِلة،
-الى البعض الذي ينام على حرير الولاء الاعمى للطائفة والاكتفاء بالتكليف الشرعي بديلاً عن الحق الديمقراطي بالانتخاب الحر الذي هو ابسط حقوق المواطن في الاختيار الصحيح لمن يجب ان يمثلونه بملء ارادتهم وكامل حريتهم ،
-الى المتقلب الذي يشكو اليوم تطويقه وتحجيمه من الآخرين بعد ان كان نموذجاً صارخاً للفساد على مدى الثلاثين عاماً المنصرمة ويعود اليوم ليستنهض المذهب داعياً الى تعويمه من جديد ، فيما يفضحه تواطؤه على تثبيت ترشيح احد تايكونات المصارف ممن نهبوا مدّخرات اللبنانيين ، على احد المقاعد النيابية في البقاع ،
-الى كل الذين يستنفرون عواطفكم اليوم على طريقة غفر الله عما مضى وهم الذين تلوّثت اياديهم بدماء ابناء مذهبهم وطائفتهم قبل ان يتمدد اذاهم الى الطوائف الاخرى ، دون ان يتميزوا عن الذين تركوا شعبهم يجوع وهم اصحاب المليارات واكبر اثرياء بلدهم ، وكلهم سيتوجهون غداً الى اللبنانيين بلبوس واقنعة جديدة مزيفة بغية اعادة تدويرهم من جديد ، وهم الفاسدون الذين لفظهم الشعب في الشوارع بعد السابع عشر من تشرين ليعودوا اليوم تحت يافطة الانقاذ للطائفة والمذهب بالتضامن والتكافل فيما بينهم مؤكدين ان ليس صحيحاً ما قيل يوماً ان الكيمياء السياسية مفقودة بين بعضهم البعض وهم جميعاً ابناء نظام طائفي واحد لا ديمومة له سوى بوجودهم وهم يتقاسمون مقدّرات البلد منذ الاستقلال حتى الآن، من الجد الى الاب والحفيد وابن الحفيد ، هذا النظام الذي يغفر فقط للفاسدين فيه ولا يحاسب سوى الشرفاء اصحاب الضمائر المتمرّدة الذين يدفعون ثمن مواقفهم بالتنكيل والترهيب والإبعاد عن مواقع المسؤولية والقرار ، انه النظام الاوحد في العالم الذي يخرج منه الفاسد بطلاً ، وقد جاهر احد كبار رموزه مؤخراً انه واحدُّ من كبار الحيتان الذين اقدموا على تهريب مئات ملايين الدولارات الى الخارج دافعاً بنوابه الى التبجح ليلاً نهاراً دفاعاً عن فِعلته وعلى اثير الاعلام ومرأى اللبنانيين وبكل وقاحة او مراعاة لشعور الذين سطت المصارف على مدّخراتهم وجنى اعمارهم ،
من اجل ذلك ،هو واهم كل الوهم من يعتقد ان قيامة الوطن ستكون على ايدي هؤلاء ،الذين ما برعوا سوى في التمثيل على الشعب ، ولم يكونوا الممثلين الصادقين له، وقد آن اوان محاسبتهم وازاحتهم عن المسرح ، ولم تعد للبلد اية قيامة بوجودهم ، وما على اللبنانيين اليوم سوى خيار الانتخاب الحر للقوى التغييرية والتغلُب على واقع التعددُ في لوائح المعارضة واختيار من يشبههم من مرشحيها الذين تشتتوا ، وللاسف ، في لوائح انتخابية متعددة لكل دائرة مما يؤشر الى ان الوعي السياسي لدى بعض “المستنويين” لم يصل بعد الى مرحلة نكران الذات في سبيل المجموع ، وهذا ما يجب ان تنكب القوى التغبيرية على معالجته بعد السادس عشر شهر من ايار المقبل ،
والى ان يحين ذلك لينطلق قطار التغيير الحقيقي في هذا البلد لتفويت الفرص على كل المتربصين بوحدة المعارضة والإبقاء على جذوة الإنتفاضة التي اشتعلت في السابع عشر من تشرين اول ٢٠١٩ ،كي لا نقول : لات ساعة مَندمِ .