نبيل الزعبي – هل كان لبنان ينتظر الحرب على اوكرانيا ليستفيق على ان امنه الغذائي في خطر وان كل ما لديه من قمح لا يكفيه سوى لشهر ونصف الشهر على ابعد تقدير ، وان المشتقات النفطية ستشهد ارتفاعاً متزامناً مع رفع سعر برميل النفط ، وما ينسحب بدوره ايضاً على اسعار الزيوت النباتية والحبوب وغيرها ،
ومن يتحمل مسؤولية المماطلة والاستهتار في بناء صوامع َ للحبوب وخزانات للنفط وبناء اهراءات جديدة للقمح تحقيقاً للاكتفاء الذاتي ،اقلّه لستة اشهر كما تفعل سائر الدول التي انشأت وزارات للتموين الغذائي ووضعت ميزانيات وازنة لوزارات الزراعة والصناعة في حكوماتها واخراج بلادها من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد المنتج .
لقد مضى حتى كتابة هذه السطور اكثر من عام ونيّف على التدمير الذي لحق باهراءات المرفأ في بيروت وفقدت البلاد امكانية تخزين ما يلزمها من قمح وحبوب بما يحقق لها الاكتفاء الذاتي لاشهرٍ عديدة ، وكان المطلوب ان تسعى الحكومة الى تأمين البديل الذي توفّر في طرابلس بعد دراسات ميدانية وافية تقضي بانشائها تفادياً لأية ازمات طارئة كالتي تنتظرنا ، فلا تأمن البديل ، ولا أُعيد بناء ما تهدّم من جديد لتُترَك كميات هائلة من القمح والطحين موزعةً على اماكن لا تتوفر فيها الحدود الدنيا من الصيانة والحفظ لتتآكل في معظمها ولم تعد صالحة للاستعمال الآدمي كما حصل في المدينة الرياضية لهبات وردت من الخارج ، مما يدفع اصحاب الافران والمطاحن اليوم الى دق ناقوس الخطر الداهم لعل ّ حكومة ” الانقاذ معاً ” تتحرك وتمارس واجباتها لمعالجة الاوضاع الخطيرة المستجدّة على استراتيجية الامن الغذائي اللبناني وتجنيب اللبنانيين المزيد من التجويع والازمات الاقتصادية في ظل سلطة فاشلة لا تعرف ما تخبئه لها الايام من مفاجآت وهي تعيش على طريقة كل يوم بيومه ، غير مبالية بالمجهول وتصريف الايام والدهور ، او التحسُب للايام الصعبة التي تفرضها الظروف القاسية التي تجعلنا اليوم نترحم على اجدادنا الذين عرفوا ما كان يتوجب عليهم وهم يواجهون مصاعب الحياة وتحدياتها مما يجعل الانسان فينا ينحني تقديراً واحتراماً لتلك الاجيال التي تجاوزت في همّتها وتفكيرها كل النظريات الاقتصادية ومدارسها المتعددة في تدبُر العيش وبكل كرامة وعنفوان ، محققين الاكتفاء الذاتي الذي يفتقده اللبناني على ايدي سلطته الفاسدة العاجزة عن تحقيق ادنى متطلباته من الحد الادنى من العيش الكريم .
سلطةُ فاسدة مستهترة عاجزة مرتبكة امام شعبها ، فلا تكتفي بذلك وانما تترك شعبها اليوم فريسة المخاوف حول تقصيرها الفادح في مواجهة الازمات المستجدة وكأنه لا يكفينا ما نعانيه من فقر وتجويع واحتكار للغذاء والدواء لتطالعنا الاخبار عن معاناةٍ قاسية قادمة الينا جرّاء ما يحصل في اوكرانيا ، وكأن هذا البلد هو الوحيد المصدّر للقمح ، او كأن لا امكانية لاستيراد هذه المادة من بلادٍ أخرى وقد رشح مؤخراً ان وزارة الاقتصاد في سعيها الى ذلك ستطلب من بعض الدول تقديم القمح والطحين على شكل هبات بسبب ارتفاع اسعار القمح المستورد من هذه الدول ، وهذا اقصى ما تستطيعه السلطة القائمة الممثلة لخط الدفاع الامامي لمنظومة الفساد اللبناني التي لم تكتفِ بإفقار اللبنانيين والسطو على مدّخراتهم و انما تسعى اليوم الى تحويل الشعب اللبناني بغالبيته الى مشروع متسوّلين بعد ارتفاع طبقة الفقراء الى ما فوق ال ٨٢ بالمئة في العام ٢٠٢١ بعد ان كانت ٤٢ بالمئة في العام ٢٠١٩ ، كما جاء في دراسة الاسكوا عن الفقر في لبنان ومعدلات التضخم الاقتصادي مع تلاشي الطبقة الوسطى في هذا البلد ، كصمام للامن الاجتماعي والاقتصادي ، ودفع الرأسمالية الوطنية إما الى الإنكفاء او الهجرة الى الخارج لتُترك البلاد تحت رحمة الراسمال النيوليبرالي المتوحش الوافد على لبنان الذي لا يهمه سوى جني الارباح وتراكم الثروات على حساب معاناة الناس وافقارها .
انه وبعد اصدار قانون المنافسة للوكالات الغذائية الحصرية في المجلس النيابي مؤخراً ، فأن المطلوب ان لا يبقى حبراً على ورق ومن الضروري ان يتكاتف الراسمال الوطني اليوم ليعود الى ممارسة دوره من جديد ، سواء على صعيد احياء الصناعة اللبنانية وتشجيع الزراعة بتأهيل الصناعات الغذائية والاستفادة من الانتاج اللبناني كي لا يُرمى على الطرقات او يُباع بابخس الاثمان، كواحدة من اهم خُطى المناعة الاقتصادية الذاتية والاكتفاء الذاتي التي بدونها لا امن غذائي ولا استقرار اجتماعي واقتصادي وكي لا ينظر لنا الخارج بعد اليوم سوى اننا مجموعة متسولين يدير شؤوننا لصوص ننتخبهم بملء ارادتنا وقد حكمنا على انفسنا اننا شعبُ لا يستحق الحياة .