عبد الحكيم محمود – أظهرت دراسة جديدة -قام بها باحثون من “جامعة نيو ساوث ويلز” (university of new south wales) في سيدني- تحول ما لا يقل عن ضعف كمية المياه العذبة من المناطق الدافئة نحو قطبي الأرض عما كان يُعتقد سابقًا في تنبؤات نماذج المناخ.

ويشير ذلك إلى تغيرات أوسع في الحركة المستمرة للمياه العذبة بين الغيوم والأرض والمحيط، التي تعرف بـ”دورة مياه الأرض” (earth’s water cycle)، والتي تصف حركة الماء المتبخر من الأرض، حيث يرتفع إلى الغلاف الجوي، ويبرد ويتكثف في شكل مطر أو ثلج ليسقط مرة أخرى على سطح الأرض.

وبحسب البيان الصحفي الصادر من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، فإن دورة مياه الأرض هذه تلعب دورا مهما في حياتنا اليومية، إذ ينقل هذا النظام الدقيق المياه من المحيط إلى الأرض، مما يساعد على جعل بيئتنا صالحة للسكنى.

لكن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة العالمية أدت إلى جعل المياه تتحرك بعيدا عن المناطق الجافة نحو المناطق الرطبة، مما يتسبب في تفاقم حالات الجفاف في أجزاء من العالم، مع تكثيف أحداث هطول الأمطار والفيضانات في مناطق أخرى، وبمعنى آخر فإن المناطق الرطبة أصبحت أكثر رطوبة، والمناطق الجافة أصبحت أكثر جفافا.
تكثف دورة مياه الأرض
استخدم الباحثون في دراستهم أنماطا متغيرة من الملح في المحيط لتقدير مقدار المياه العذبة للمحيطات التي انتقلت من خط الاستواء إلى القطبين منذ عام ١٩٧٠.

ووفقا للدراسة التي نشرت في دورية “نيتشر” (nature) 23 فبراير/شباط الجاري، فقد أدى تغير المناخ إلى تكثيف دورة مياه الأرض بنسبة تصل إلى ٧.٤%، مقارنة بتقديرات النمذجة السابقة التي تتراوح ما بين ٢ % إلى ٤ %.

وبحسب التقرير المنشور على موقع “ذا كونفرسيشن” (the conversation)، فإن هذا التحول والتكثيف في دورة مياه الأرض بدرجة أكثر مما توقعته النماذج المناخية دفع الباحثون لدراسة الكيفية التي تضخمت بها دورة مياه الأرض بشكل عام.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة الدكتور تيمور سهيل -عالم الرياضيات وباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة نيو ساوث ويلز للعلوم- في تصريحه الذي تضمنه بيان الجامعة “لقد علمنا بالفعل من العمل السابق أن دورة مياه الأرض تتكثف، لكننا لم نكن نعرف إلى أي مدى هذا التكثف”.

ويضيف تيمور “تشكل حركة المياه العذبة من المناطق الدافئة إلى المناطق الباردة نصيب الأسد في نقل المياه، حيث ترسم النتائج التي توصلنا إليها صورة للتغييرات الأكبر التي تحدث في دورة مياه الأرض”.
قياس ملوحة المحيطات
وبحسب البيان، فقد توصل الباحثون إلى تلك النتائج من خلال تحليل الملاحظات على 3 مجموعات من البيانات تغطي الفترة من عام ١٩٧٠ حتى عام ٢٠١٤، ولكن بدلا من التركيز على ملاحظات هطول الأمطار المباشرة -والتي قد يكون من الصعب قياسها عبر المحيط- ركزوا على جانب أكثر غرابة، وهو مدى ملوحة المياه في كل منطقة من المحيطات.

وحول استخدام أسلوب قياس ملوحة المحيطات، يقول المؤلف المشارك الدكتور جان زيكا، الأستاذ المشارك في كلية الرياضيات والإحصاء بجامعة نيو ساوث ويلز “في المناطق الأكثر دفئا، يزيل التبخر المياه العذبة من المحيط تاركا الملح وراءه، مما يجعل المحيط أكثر ملوحة، حيث تأخذ دورة المياه تلك المياه العذبة إلى المناطق الأكثر برودة فتتساقط على شكل مطر، مما يجعل المحيط أقل ملوحة”.

ويضيف جان زيكا “بعبارة أخرى، تترك دورة المياه بصمة على نمط تملح المحيط، ومن خلال قياس هذه الأنماط، يمكن للباحثين تتبع كيفية تغير الدورة بمرور الوقت”.
تأثير دورة مياه الأرض
ويقدر الفريق أنه بين عامي ١٩٧٠ و٢٠١٤، تم نقل من ٤٦ألفا إلى ٧٧ ألف كيلومتر مكعب إضافي من المياه العذبة من خط الاستواء إلى القطبين أكثر مما كان متوقعا، وهو ما يعني تكثفا في دورة المياه بحوالي ٧%، أي زيادة ٧% في المطر على المناطق الرطبة، ونقصان ٧% من المطر في المناطق الجافة.
يقول الدكتور سهيل “إن التغيرات في دورة المياه لها تأثير حاسم على البنية التحتية والزراعة والتنوع البيولوجي؛ لذلك من المهم أن نفهم الطريقة التي يؤثر بها تغير المناخ على دورة المياه الآن وفي المستقبل”.
ويضيف الدكتور سهيل “هذه النتائج توصي بضرورة عمل تحسينات مستقبلية على النماذج المناخية، وهذا الاكتشاف الذي حملته دراستنا يمكن أن يساعد على تحسين تلك التقديرات المستقبلية”.