عربي بوست – طالما أحاطت هالةٌ من الغموض بالبنوك السويسرية، وتم تخيُّلها على أنها ملجأ للأموال المشبوهة التي يجمعها تجار المخدرات ومرتكبو الجرائم والإرهابيون والسياسيون الفاسدون كذلك.
لكن لماذا يختار أولئك البنوكَ السويسرية تحديداً لحماية أموالهم؟ وهل لا تزال البنوك السويسرية تحظى بنفس السمعة القديمة وتعتبر الملجأ الأمثل للأموال المشبوهة؟

السرية المصرفية.. شعار البنوك السويسرية

تصور الأفلام الهوليودية رجال العصابات أو السياسيين الفاسدين وهم يقومون بإيداع أموالهم التي لا تأكلها النيران في البنوك السويسرية، وذلك باستخدام حساب مرقم مجهول لا يمكن معرفة صاحبه على الإطلاق.

تقدس البنوك السويسرية سرية العملاء بالفعل، لكن فلنتفق أولاً على أن الحسابات المرقمة المجهولة مجرد أسطورة، كل ما هنالك أن المصارف السويسرية تتمتع بسمعة طيبة في عدم الكشف عن هوية عملائها، وذلك استناداً إلى قانون السرية المصرفية السويسري، فما هو هذا القانون؟

ببساطة، يستند قانون السرية المصرفية السويسري إلى حق عميل البنك في الحصول على الخصوصية، فيضمن له البنك عدم مشاركة بياناته مع أي جهات خارجية، وتشرح الرابطة المصرفية السويسرية على موقعها الإلكتروني مبدأ السرية بين البنك والعميل فتصفها بـ”الواجب المهني” وتشبهها بواجب الأطباء في الحفاظ على خصوصية مرضاهم وواجب المحامين في الحفاظ على سرية عملائهم.

وفقاً لما ورد في موقع  Future Learn، يوجد جانبان لقانون السرية المصرفية المدرج في القوانين التشريعية الخاصة بالبنوك والبورصات السويسرية:

الجانب الأول: يتعلق بالأعمال المصرفية، وتلتزم البنوك السويسرية وفقاً لهذا الشق من القانون بالحفاظعلى سرية معلومات العملاء فلا تشارك مع جهات خارجية أي معلومات عن العميل أو معاملاته أو التحويلات التي قام بها أو المبالغ التي أودعها، ولا يحق لها أن تخطر أي جهة فيما إذا كان شخص ما يمتلك حساباً لدى بنك سويسري أم لا.

الجانب الثاني: يتعلق بالضرائب، إذ لا يسمح للبنوك السويسرية مشاركة معلومات حول أولئك المتهمين بالتهرب الضريبي.
وبموجب القانون السويسري، يعتبر خرق السرية المصرفية جريمة جنائية. ومع ذلك، هناك حالات معينة يتم فيها رفع السرية المصرفية. وتشمل على سبيل المثال، قضية الإجراءات الجنائية ضد شخص متهم بالاحتيال الضريبي (مع ملاحظة أن الاحتيال الضريبي مختلف عن التهرب الضريبي، ففي حين تحمي البنوك السويسرية المتهربين من دفع الضرائب إلا أنها تضطر إلى الإدلاء بمعلومات أولئك المتهمين بالاحتيال، أي الذين قاموا بتقديم أوراق ومستندات مزورة للسلطات الضريبية).

كيف أصبحت البنوك السويسرية ملجأ للأموال المشبوهة؟


بما أن السرية مقدسة في البنوك السويسرية أعتقد أنه قد بات من الواضح الآن لم كانت هذه البنوك دائماً الخيار الأمثل لأصحاب الأموال غير المشروعة الذين يرغبون في التكتم على المبالغ الضخمة التي يمتلكونها.
والسرية ليست العامل الوحيد، إذ نستطيع أن نقول إن عوامل مختلفة تضافرت لتكون سويسرا المكان الأفضل في العالم لإخفاء الأموال، بما في ذلك:
– السرية
– التكنولوجيا والتطور المصرفي
– الحياد السياسي والابتعاد عن النزاعات
– تضاريس سويسرا الجبلية الوعرة

ومن ناحية السرية، إلى جانب أنها محمية بموجب القانون السويسري، فإن الأشخاص الوحيدين الذين يمكنهم الوصول إلى هوية العميل هم شخص واحد هو المصرفي الخاص واثنان من المديرين رفيعي المستوى في البنك.

أما من ناحية التكنولوجيا، فيقول أشيش شانك، رئيس الاستثمارات في موتيلال أوسوال، الذي عمل أيضاً في ساراسين، وهو بنك سويسري تم إيجاده عام ١٨٤١ “من الخزائن السرية إلى التكنولوجيا المتطورة، كان السويسريون مسؤولين عن تقديم كل هذا وأكثر إلى القطاع المصرفي”.
فقد اشتهر النظام المصرفي السويسري بتطوره عن بقية الأنظمة المعروفة في العالم منذ القِدم، وكانت سويسرا في الصدارة دائماً عندما يتعلق الأمر بتطور النظام المصرفي أو بالحفاظ على سرية العملاء. ولطالما كانت البنوك السويسرية بمثابة حارس أمين لأموال الأثرياء في أوروبا وكافة أنحاء العالم.
وقد ساعد الحياد السياسي الذي انتهجته سويسرا في تقوية موقعها باعتبارها الملجأ الآمن للأموال، فقد بقيت سويسرا على الحياد وابتعدت عن جميع النزاعات والحروب.
وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية بقيت سويسرا على الحياد التام، ولم تدخل صراعاً مسلحاً مع أي من الأطراف المتنازعة، لذلك من الطبيعي أن تكون البنوك السويسرية ملاذاً لإخفاء أموال الأباطرة والدكتاتوريين والقادة ورجال الأعمال من كل من دول المحور والحلفاء.
ومن ناحية أخرى سهلت التضاريس الجبلية في سويسرا على السويسريين إنشاء أقبية سرية كبيرة الحجم.

حرب أمريكية على البنوك السويسرية بسبب تجار المخدرات والإرهابيين

لكن كل ذلك لا يعني أن حكومات العالم استسلمت ببساطة لقوانين المصارف السويسرية التي تحمي أموال أشخاص مصنفين على أنهم مجرمين في بلدانهم.
وعلى مدى عقود شنت عدة دول حروباً على البنوك السويسرية، وكانت الولايات المتحدة أبرز تلك الدول التي كانت مهتمة بمعرفة تفاصيل حسابات مواطنيها المصرفية في البنوك السويسرية، وفقاً لما ورد في موقع GQ.
وقد بدأت الحرب الأمريكية على البنوك السويسرية في وقت مبكر من السبعينيات عندما كانت الحكومة الأمريكية تحاول تضييق الخناق على عصابات تجارة المخدرات.
وقد أدت تلك الحرب في نهاية المطاف إلى موافقة البنوك السويسرية على عدم استقبال أموال المخدرات أو الجريمة.
لكن الولايات المتحدة عادت لتضيق الخناق ثانية على البنوك السويسرية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وذلك لاشتباهها بأن أشخاصاً متهمين بالإرهاب أودعوا مبالغ مالية ضخمة في البنوك السويسرية.

٢٠١٨ نهاية عصر السرية السويسرية

بعد كل الحروب التي شُنت ضد البنوك السويسرية، هل لا تزال تلك البنوك سرية للغاية كسابق عهدها؟ الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هي: لا.

نستطيع أن نقول إن عهد السرية المصرفية السويسرية قد انتهى اعتباراً من أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٨، فمنذ ذلك التاريخ بدأت إدارة الضرائب الفيدرالية السويسرية (FTA) في مشاركة معلومات العملاء الذين لديهم حسابات في البنوك السويسرية مع بلدانهم الأصلية، فإذا كنت أمريكياً على سبيل المثال، تستطيع الحكومة الأمريكية معرفة تفاصيل حساباتك البنكية الموجودة في سويسرا.
ووفقاً لاتفاقية التجارة الحرة تلتزم سويسرا بتقديم معلومات العملاء لبلدانهم الأصلية بما في ذلك أرصدتهم وتحويلاتهم المالية والتفاصيل الأخرى المتعلقة بهم، لكن هذا القانون يعتبر سارياً اعتباراً من ٢٠١٨ وما يليها، ولا يشمل السنوات السابقة.

لماذا يفضل الجميع البنوك السويسرية؟


حتى مع نهاية عصر السرية في البنوك السويسرية، لا تزال هذه البنوك خياراً آمناً بالنسبة لكثيرين.
فإذا كان لأحدهم حساب في بنك سويسري قبل عام ٢٠١٨ فلا يزال بإمكانه تضييق تدخل ووصول حكومته إلى معلوماته المصرفية.
وبالرغم من أن البنوك السويسرية لم تعد تساعد على التهرب الضريبي اعتباراً من ٢٠١٨، إلا أنها لا تزال ملجأ آمناً لحماية الخصوصية والأصول.
ومن المهم أن نتذكر أن البنوك السويسرية ليست ملجأ لأموال رجال العصابات والسياسيين الفاسدين فقط، بل هي الخيار الأفضل كذلك لرجال الأعمال الذين جنوا أموالهم بصورة شرعية، إذ تساعدهم البنوك السويسرية على إخفاء جزء من ثروتهم لحماية أنفسهم على سبيل المثال من الدعاوى القضائية التي قد تستهدف أموالهم المتواجدة في بنوك بلدانهم، أو من دعاوى تسويات الطلاق التي قد تكلفهم جزءاً ضخماً من ثروتهم.
ونظراً للطبيعة المستقرة للاقتصاد السويسري، فإن الأموال المودعة في البنوك السويسرية تبقى في الغالب آمنة ومحصنة من معظم الكوارث العالمية بما في ذلك الحروب والنزاعات والانهيارات الاقتصادية، لذلك وعلى الرغم من كل شيء تبقى الخيار الأفضل للأثرياء الذين يرغبون بحماية أموالهم.