عبد الحكيم محمود

في ظلام الليل، تمكنت كاميرات الجهاز من التقاط هذا التوهج الخافت الناجم عن الحرارة الهائلة المنبعثة من السطح . قال بيان صادر عن مركز جودارد لرحلات الفضاء (goddard space flight center) التابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا، إن المسبار الشمسي باركر (parker solar probe) تمكن من التقاط أول الصور الضوئية المرئية لسطح كوكب الزهرة. وقد كشفت تلك الصور عن وهج أحمر شديد الحرارة لسطح الكوكب، يشع من خلال “عباءة” من السحب السامة تلتف حوله.
وبناء على دراسة لتحليل هذه الصور، نشرتها دورية “جيوفيزيكال ريسيرش ليترز” (geophysical research letters)، يتوقع العلماء أن يساعد هذا الاكتشاف على فهم المعادن التي يتكون منها هذا الكوكب الصخري الغامض بشكل أفضل، ومعرفة المزيد عن جيولوجيا الزهرة، وعن تطور الكوكب.

صور عميقة

ووفقا لتقرير منشور على موقع “ساينس ألرت” (science alert)، فإنه غالبا ما تحيط بسطح كوكب الزهرة غيوم كثيفة تحجبه عن الأنظار، لكن خلال عمليتي التحليق الأخيرتين لمسبار باركر حول الكوكب، وباستخدام جهاز تصوير المجال الواسع (wide-field imager for solar probe) “wispr”، تمكن المسبار من تصوير الجانب المظلم من سطح الكوكب وبأطوال موجية من الطيف المرئي، وهو نوع من الضوء الذي يمكن للعين البشرية رؤيته، ويمتد إلى الأشعة تحت الحمراء القريبة.

وقد كشفت الصور المجمعة في مقطع فيديو عن وهج خافت من السطح يُظهر سمات مميزة مثل المناطق القارية والسهول والهضاب، وهو ما مكّن العلماء من النظر تحت الغلاف الجوي السميك لكوكب الزُهرة، وكذا رؤية هالة من الأكسجين في الغلاف الجوي حول الكوكب.

وقالت نيكولا فوكس مديرة قسم الفيزياء الشمسية في ناسا -في تصريحها الذي تضمنه بيان ناسا- “نحن سعداء بالرؤى العلمية التي قدمها المسبار الشمسي باركر حتى الآن، حيث إنه يواصل تجاوز توقعاتنا، ونحن متحمسون لأن هذه الملاحظات الجديدة التي تم التقاطها يمكن أن تساعد في تقدم أبحاث الزهرة بطرق غير متوقعة”. من ناحية أخرى، قال عالم الفيزياء الفلكية برايان وود المؤلف الرئيسي للدراسة وعضو فريق جهاز تصوير المجال الواسع (wispr)، إن “الزهرة هو ثالث ألمع شيء في السماء، لكن حتى وقت قريب لم يكن لدينا الكثير من المعلومات حول شكل السطح، لأن رؤيتنا له محجوبة بواسطة غلاف جوي سميك”، ولكن “أخيرا تمكنا أن نرى سطح الزهرة بأطوال موجية مرئية لأول مرة من الفضاء”. بأطوال موجية مرئية لأول مرة من الفضاء”.أثناء التحليق الأخير لمسبار باركر تم تصوير الكوكب باستخدام جهاز تصوير المجال الواسع (ناسا)

الكوكب الشرير

وبحسب بيان وكالة ناسا، فإنه وبالرغم من قرب كوكب الزهرة نسبيا من الأرض، فإن من الصعب جدا دراسته، إذ يُعرف كوكب الزهرة باسم “التوأم الشرير” للأرض، فهو توأم للأرض من حيث التشابه معها في الحجم والكتلة والبنية والتكوين، إلا أنه شرير لأنه معادٍ للحياة بشدة ولا يصلح لها مطلقا نظرا لخصائصه الجيولوجية والمناخية.

فالأرض معتدلة ورطبة، بينما كوكب الزهرة جاف وربما بركاني، حيث يبلغ متوسط درجات حرارته السطحية 471 درجة مئوية. كما تمتلئ سماء كوكب الزهرة بالغيوم السميكة السامة التي تمطر حامض الكبريتيك، وبالتالي تجعل هذه الميزات من صعب التحقيق في خصائص الكوكب ودراسة غلافه الجوي عن قرب. وبحسب تقرير وكالة ناسا، فقد تم التقاط أول صور لكوكب الزهرة بواسطة جهاز تصوير المجال الواسع في يوليو/تموز ٢٠٢٠ ، في الرحلة الثالثة لمسبار باركر، والتي تستخدمها المركبة الفضائية لثني مدارها بالقرب من الشمس.

ويضيف بيان ناسا إن “الهدف الرئيسي من تصميم جهاز تصوير المجال الواسع، كان في البداية لغرض رؤية الملامح الباهتة في الغلاف الجوي الشمسي والرياح، لكن بعض العلماء اعتقدوا بعد ذلك أنهم قادرون على استخدامه أيضا لتصوير قمم السحب التي تحجب كوكب الزهرة أثناء مرور باركر بالقرب منه. ويقول أنجيلوس فورليداس المؤلف المشارك في الورقة البحثية الجديدة والباحث في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز، إن “الهدف من استخدام جهاز التصوير الواسع كان في البداية هو قياس سرعة السحب التي تحجب رؤية الكوكب، لكن الجهاز تمكن أيضا من تصوير سطح الكوكب”. ويضيف أنجليوس “كانت الصور مدهشة للغاية لدرجة أن العلماء قاموا بتشغيل الكاميرات مرة أخرى خلال الرحلة الرابعة لمسبار باركر في فبراير/شباط ٢٠٢١، حيث تمكن الجهاز من تصوير الجانب المظلم لكوكب الزهرة”.

كيف تم تصوير سطح الزهرة؟

ويستطرد بيان ناسا في شرحه لكيفية التقاط صور سطح كوكب الزهرة، بأن الجهاز التقط نطاقا من الأطوال الموجية من ٤٧٠ نانومترا إلى ٨٠٠ نانومتر. وقد كان بعض هذا الضوء عبارة عن الأشعة تحت الحمراء القريبة -أطوال موجية لا يمكننا رؤيتها، ولكن نشعر بها على أنها حرارة- وبعضها يقع في النطاق المرئي، بين ٣٨٠ نانومترا وحوالي ٧٥٠ نانومترا. وأضاف بيان أن الأطوال الموجية المرئية الأطول جدا، والتي تحد أطوال موجات الأشعة تحت الحمراء القريبة، تجعلها تمر، وبالتالي يضيع هذا الضوء الأحمر وسط أشعة الشمس الساطعة المنعكسة على قمم سحب كوكب الزهرة، ولكن في ظلام الليل، تمكنت كاميرات الجهاز من التقاط هذا التوهج الخافت الناجم عن الحرارة الهائلة المنبعثة من السطح.