نبيل الزعبي – عندما ترمي المصارف مسؤولية حجز اموال المودعين على مصرف لبنان فيقوم الاخير برميها على الدولة التي بدورها عِبْرَ رموزها تشن حملات الادانة على حاكم المصرف ، فذلك لا يعني سوى امراً واحداً ، لا ثاني ولا ثالث له : انهم يتقاذفون المسؤوليات على بعضهم البعض ، كي تضيع الحقيقة وتتلاشى مع الايام فيتعايش اللبناني مع الواقع المستجد الذي فرضوه عليه ، ولتبدأ جريمة “الاستلاب ” الانساني في مروحتها تدور على حاضره ومستقبله من جديد بعد انتزاع كل كرامة وعنفوان لديه وسحقه تحت طاحونة التفتيش عن لقمة العيش ، وتتعطل في ” الحظيرة” ملكات التفكير التي يريدون لها ان تموت بعد ان تندثر ، شأنها شأن كرامة الانسان اللبناني وعنفوانه وكبرياءه . نقول “استلاب”، واللبناني ، ومع كل الصبر ومجاهدة النفس ، تراه اليوم مذلولاً ومهاناً ومسلوب الارادة امام اكثر من موقع وطرف :
-اولاهما المصرف الذي ائتمنه على جنى العمر وجهد السنين فرد الجميل اليه مزيداً من الاذلال وهو يقف في طوابير الحصول”بالقطارة” على الجزء القليل المقتطع مما يريد سحبه من امواله الخاصة المصادرة فيوقع على المبلغ المطلوب وقد اقتُطِع منه ثلثي قيمته بوقاحة متناهية من اللصوصية حيث لا تكتفي المصارف بذلك وانما تفرض على من يواجهها بالامتناع عن السحب لستة اشهر فما فوق بربط حسابه وتجبره على اعادة “تحريره”من جديد باقتطاع ما امكن من وقته ايضاً انجازاً لمعاملة التحرير بالتزامن مع فرض رسوم شهرية وسنوية وعمولات على حساباته في نفس الوقت ، لتتكامل دورة النصب والاحتيال على المودع الى ان ينتهي رصيده ويتخلّص المصرف من حسابه بتصفيته نهائياً ،
-لا يختلف الغالبية العظمى من اصحاب مولدات الكهرباء بدورهم عن ممارسة اذلال المواطن ،
بابتزازه دون رادع او رقيب وقد تفرعت الاشتراكات في المولدات الى مناحي عدة موزعة على اشتراك خاص لكهرباء المنزل وثاني لضخاخ المياه وثالث للمصعد الكهربائي ، ومع ذلك يخرجون على الاعلام بين الفينة والاخرى يرغون ويزبدون ويهددون دون اي التزام بما تحدده لهم وزارة الطاقة من تسعيرة شهرية للامبير او لناحية تركيب العدادات ،مستغلين الغياب الكامل للكهرباء وغياب الدولة معها ،
-وبماذا ايضاً يختلف اصحاب الافران عن اقرانهم في مولدات الكهرباء ، وصاحب الفرن بدوره لا يكتفي ببيع الرغيف على الغرام الواحد هذه الايام وانما يستخدم الطحين المدعوم في بيع ما ينتجه من حلويات وكعك “وبيتي فور “باسعار فلكية تضاهي اسعار اشهر محال الحلويات في البلد ،
-اما السوبر ماركت ، فحدّث ولا حرج عن جشعه الفاحش باعتراف وزارة الاقتصاد وهيئات الرقابة العاجزة عن لجم جموح هؤلاء المتحكمين بغذاء المواطن وقوته اليومي فيسعّرون بالدولار عندما يكون في اعلى مستويات ارتفاعه ويبقون على السعر عندما ينخفض تحت ذريعة تجنب الخسائر ،
وبعد: هل من عجب لهذا الفلتان الامني والسرقات وتسوُّل لقمة العيش من الآخرين اوالتفتيش عنها في مكبات القمامة !
بل ،ماذا سيقول القضاء غداً عندما تتكرر حادثة المودع الذي احتجز موظفي المصرف الذي يتعامل معه وهدد باحراقهم بعد رفضهم اعطاءه جزءاً من امواله المحجوزة مجبراً الادارة على تسليمه كامل امواله المودعة وبالدولار ايضاً !
وقد تحول في “فعلته”الى بطل شعبي ، خاصة بعد اطلاق سراحه مؤخراً بموجب سند كفالة مع عدم المس بماله المُستَعاد !
وهل ما قام به يُعَدُ جريمةً ، ام ان المجرم الحقيقي هو المصرف الذي سرق وخان الامانة !
وما هو موقف القانون عندما يواجه القاضي فقيراً يسرق ويعترف امامه انه فعل ذلك لإطعام اطفاله الجوعى !
وما هي معيار الاخلاقية عندما يحتكر المستورد، الدواء ويمنعه عن المرضى بانتظار كل تسعير جديد للدولار !
-واية انسانية هذه ورغيف الخبز يباع بالغرام بعد مصادرة آخر ما تبقّى للمواطن من خط دفاع عن العيش الآدمي الكريم !
-وكيف تكون سيادة ، عندما يتحكم بضعة صرافين بالعملة الوطنية فينحدر الاقتصاد الى الحضيض ويجوع الناس وتتوقف الحياة في شرايين المرافق العامة !
وبعد هذا وذاك ، هل ثمة مناعة ستبقى والبلد قد تعرّى وبات مكشوفاً امام اعداء الخارج ، وبات الامن الاجتماعي المفقود طاغياً على كل ماعداه من سقوفٍ امنية !وهل من امن حقيقي للوطن عندما يسقط امن المواطن ويبقى رهين الفقر والجوع والمهانةوالاذلال ،ويُترَك الفلتان الامني على غاربه فيستعين كل مواطن على اخذ حقوقه بيده مهما كلفه ذلك من خروجٍ سافر على الامن والقوانين، ونجد انفسنا في غابة لا يد طولى فيها سوى للاقوى،بعد “تدجين” الشعب وسلب ارادته الى حين عدم اكتراثه بما يجري حوله من مخاطر امنية ومطامع خارجية ، ك”سيناريو” جهنمي مطلوب لوضع البلد باكمله بين فكي اعداء الخارج بعد اسقاطه داخلياً وانتزاع مقوماته الذاتية للصمود ،
انها مناعة الوطن المهددة بالانهيار أيها السادة ، فمن لم يمت بالرصاص والتفجير والعبوات الناسفة ، يموت اليوم وهو يلهث وراء الرغيف وحبة الدواء والبحث عما يقيه البرد والصقيع وضيق المعيشة وقساوتها ،
وقد تعددت اسباب الموت ، والشعب هو الضحية ، وليس غيره من يدفع الثمن .