الجزيرة نت – تمتلك الطيور المهاجرة قدرات هائلة تستبصر بها طريق هجرتها استنادا إلى المجال المغناطيسي للأرض. ولكن، كيف يمكنها تحديد مواقع تكاثرها بهذه الدقة؟ لا يجد الطير المهاجر صعوبة في إيجاد طريق هجرته وذلك بفضل قدرته على استبصار المجال المغناطيسي للأرض، إضافة إلى بوصلته الداخلية التي تمكنه من توجيه نفسه بناء على شدة المجال المغناطيسي. وتسمح هذه الحاسة البيولوجية للطيور والمعروفة باسم الاستقبال المغناطيسي (Magnetoreception) بتحديد اتجاه هجرتها، كما تمكنها من العودة إلى أعشاشها -والتي تكون غالبا على بعد أمتار من موقع ولادتها- وتحديد طريق رجوعها بدقة شديدة. وتعتبر الأرض مغناطيسا ضخما له قطبان مغناطيسيان شمالي وجنوبي. وتقع هذه الأقطاب المغناطيسية بالقرب من القطبين الجغرافيين الشمالي والجنوبي للأرض. وعند خط الاستواء المغناطيسي تتساوى قوة الجذب المغناطيسية، مما يُبقي الإبرة المغناطيسية للبوصلة أفقية على طول هذا الخط دون ميل أو انحراف، ولذا فإنه يسمى “خط عدم الانحراف”.ومن ثم فإن هناك خاصيتين للمجال المغناطيسي قد تستخدمهما الطيور في هجرتها:

آليات متعددة

• الميل المغناطيسي (Magnetic inclination): وهو زاوية الانحراف التي تصنعها الإبرة المغناطيسية بين سطح الأرض وبين المجال المغناطيسي.

• شدة المجال المغناطيسي (Magnetic intensity): والتي تمثل القوة الكلية للمجال المغناطيسي على الأرض.

تباين المجال المغناطيسي

ولكن كيف تعرف الطيور أن عليها التوقف لأنها بلغت وجهتها؟ وهل تستخدم الطيور الإشارات السابقة لتحديد مواقع تكاثرها بالشكل الدقيق؟ قدمت دراسة بحثية  نشرت بدورية “ساينس” (Science) في ٢٧ يناير/كانون الثاني الماضي إجابة عن هذا السؤال. ووفق بيان صحفي  نشرته جامعة أكسفورد (Oxford University) فقد استندت الدراسة إلى بيانات 17 ألفا و799 من طيور هازجة الغاب الأوراسية (Acrocephalus scirpaceus) تم تتبعها الفترة من ١٩٤٠ إلى ٢٠١٨. وهي تعد من الطيور المغردة والتي تهاجر عابرة الصحراء الكبرى وتستخدم المجال المغناطيسي للعودة لأماكن التعشيش. ورغم أن هذه الطيور تستخدم بالفعل إشارات المجال المغناطيسي للأرض لتحديد موقع تكاثرها الأصلي، فإن الباحثين يعتقدون أن التباينات السنوية في المجال المغناطيسي للأرض لابد وأن يتبعها تغيرات تدريجية في أماكن تعشيش الطيور.
ويوضح مؤلفو الدراسة -في التقرير المنشور على موقع “ساينس أليرت” (Science Alert)- أنه “نظرا لتغير المجال المغناطيسي للأرض عاما بعد عام، فإن العلامات المغناطيسية المميزة لموقع الولادة أو التكاثر تتغير تباعا الأعوام التالية”. وبالتالي فإن مواقع الولادة أو التكاثر توجد في أماكن مختلفة.
ويضيف المؤلفون “ومن ثم فلو استخدمت الطيور هذه العلامات المغناطيسية لتحديد موقع الولادة أو التكاثر، فإننا نتوقع تغيرات موضعية في تلك المواقع من عام لآخر”.
الميل المغناطيسي يوفر الدليل
وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن الميل المغناطيسي يعد بمثابة المؤشر الأساسي الذي تستخدمه الطيور لتحديد موقع تكاثرها، بالإضافة إلى بعض مؤشرات الميل المحددة التي تعمل بمثابة “علامات للتوقف”. ويعتقد مؤلفو الدراسة أن الطيور “تتعلم” زاوية الميل قبل مغادرة مواقع تكاثرها. ويضيف العلماء “الطيور يمكنها استدعاء هذا البعد الإحداثي (زاوية الميل) الذي يعد إشارة للتوقف، إضافة لاستخدام بوصلتها الداخلية لتستدل على مواقع تكاثرها وتعشيشها. ويرى العلماء أن استخدام الطيور للميل المغناطيسي لتحديد المواقع يعد أمرا منطقيا. ووفقا للفريق، فإن الميل المغناطيسي يعد المتغير الأكثر ثباتا واستقرارا بين الإشارات المغناطيسية المحتملة الأخرى. ومن ثم فإنه يعد الإشارة الأكثر وثوقا والتي ترشد الطيور بأنها قد وصلت إلى وجهتها. وبحسب تقديرات الفريق، فإن موقع الولادة الأصلي قد تغير ١٨.٥ كلم في المتوسط خلال تلك السنين. في حين تغير موقع التكاثر ١.٢٢ كلم فقط، وذلك لاستخدام الطيور الميل المغناطيسي إشارة للتوقف والذي مكن بدوره الطيور من التعرف على موقع تكاثرها بدقة أكبر. وبشكل عام، فإنه يبدو جليا أن الطيور تُطَوِّع عددا من الآليات البيولوجية المتعلقة بإشارات المجال المغناطيسي للأرض لتتمكن من التنقل بنجاح وإيجاد البيئات المناسبة لمعيشتها.