أنقرة – على رأس وفد من ٨ وزراء، وصل رئيس الحكومة اللبنانية، نجيب ميقاتي، إلى أنقرة الثلاثاء، لإجراء مباحثات حول سبل تطوير التعاون بين لبنان وتركيا، وذلك تلبيةً لدعوة من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

واستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، بمراسم رسمية في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.
وذكر مراسل الأناضول، أن فرقة الخيالة رافقت سيارة رئيس الوزراء اللبناني حتى الباب الرئيسي للمجمع الرئاسي، حيث كان الرئيس أردوغان في استقباله.وبعد وصول أردوغان وميقاتي إلى منصة البروتوكول، عزف النشيدان الوطنيان التركي واللبناني وأطلقت المدفعية ٢١ طلقة، ترحيبا بالضيف.وحيّا ميقاتي حرس الشرف، ثم توجه أردوغان ورئيس الوزراء اللبناني لالتقاط صور أمام علمي بلديهما

، وتوجها عقب ذلك لعقد لقاء ثنائي وآخر على مستوى الوفود. وحضر مراسم الاستقبال وزراء الخارجية مولود تشاووش أوغلو، والبيئة والتخطيط العمراني مراد قوروم، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، والداخلية سليمان صويلو.كما حضر رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة فخر الدين ألطون، ومتحدث الرئاسة إبراهيم قالن، وغيرهم من الوزراء والمسؤولين الأتراك.أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استمرار بلاده في الوقوف إلى جانب لبنان كما كانت في الأمس.

جاء ذلك في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، الثلاثاء، بالعاصمة أنقرة.وقال أردوغان “سنواصل الوقوف إلى جانب لبنان باعتبارنا الصديق وقت الضيق كما كنا بالأمس”.

وأضاف أنه أبلغ ميقاتي استعداد الشركات التركية لتنفيذ مشاريع البنى التحتية في لبنان بما في ذلك إعادة إعمار ميناء بيروت..
ميقاتي قال لبنان في أَمَسّ الحاجة للتعاون والمساعدة من تركيا وأضاف “فخامة الرئيس (أردوغان) قلتم في كلمتكم إن الصديق هو وقت الضيق، وأنا أقول إن الأخ هو دائما إلى جانب أخيه، ونحن على الدوام نشعر بأن علاقاتنا هي علاقات أخوة”.وتابع: “وفي كل المحطات أنتم تكونون الأوائل في مد يد العون للبنان ومساعدته، خاصة في الأزمات المتتالية التي يمر بها”.وأردف ميقاتي: “اليوم نحن في أَمَسّ الحاجة للتعاون والمساعدة من تركيا، ومحبتكم الشخصية للبنان وعلاقاتنا الشخصية الوطيدة ستفتح الكثير من الأبواب للتعاون والمساعدة”.وزاد بأن: “لبنان يمر بأزمة تكاد تكون الأسوأ في العالم على كل الصعد الاقتصادية والمالية والاجتماعية. ونحن بحاجة للدعم والعون في كل المجالات”.ومنذ عامين، يعاني لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، مع انهيار عملته المحلية الليرة، وشح في الأدوية والوقود وسلع أساسية أخرى، وهبوط حاد في قدرة مواطنيه الشرائية. وذَّكر ميقاتي بأنه خلال محادثات لبنانية تركية في بيروت عام ٢٠٠٥، تم اتخاذ قرار مشترك بإلغاء التأشيرات بين البلدين، ما ساهم في تعزيز العلاقات الثنائية..

ووضع ميقاتي قبل لقاءه الرئيس التركي إكليلا من الزهور على ضريح أتاتورك، ووقف دقيقة صمت إجلالا لروح مؤسس الجمهورية التركية. كما دون ميقاتي عبارات في الدفتر الخاص بالضريح، أشار فيها إلى أن أتاتورك بات رمزا للدولة التركية المعاصرة، وكان قائدا متميزا ورجل دولة حكيم.

علاقات تاريخية

لطالما اتسمت العلاقة بين لبنان وتركيا بالأخوة والصداقة، مستندة على روابط جغرافية وتاريخية تعود جذورها قرونا، عندما كان لبنان جزءا من الدولة العثمانية (١٢٩٩-١٩٢٣). وفي أكثر من مناسبة، عبّر مسؤولون لبنانيون، لا سيما وزراء في الحكومة الحالية، عن رغبتهم وتطلعهم نحو تعزيز العلاقة بين البلدين، خاصة في مجالات بينها الطاقة والصحة والزراعة والبيئة والسياحة.

هذه العلاقة استمرت دافئة، على الرغم من التغيرات التي طرأت على المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨). وبعد نيل لبنان استقلاله عن الانتداب الفرنسي في ١٩٤٣، تعززت أواصر العلاقات بين بيروت وأنقرة.وفُرض الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا بناء على اتفاقية سايكس – بيكو، التي قسّمت المنطقة إلى عدة دول وقعت تحت سيطرة الانتداب منذ ١٩٢٠ وحتى استقلالها في ١٩٤٣.

٣٠ اتفاقية تعاون

تعود أولى اتفاقيات التعاون بين بيروت وأنقرة إلى ١٩٤٧، وهي اتفاقية تعاون حول النقل الجوي، لتتوالى بعدها اتفاقيات في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة والطاقة والثقافة، بالإضافة إلى اتفاقيات عسكرية وأمنية.ووصل عدد الاتفاقيات إلى ٣٠، أبرزها كان في ٢٠١٠ عندما وقع البلدان اتفاقية شراكة لإقامة منطقة تجارة حرة، من أهم مضامينها إلغاء الرسوم الجمركية على الصادرات من الجانبين.

زيارة أردوغان

في ٢٠١٠، شَّكلت زيارة رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا آنذاك (رئيس البلاد حاليا)، إلى لبنان نقلة نوعية في تاريخ العلاقة بين البلدين على المستويات كافة. وخلال الزيارة، افتتح أردوغان المستشفى التركي التخصصي لطب الطوارئ والحروق في مدينة صيدا جنوبي لبنان في حفل حاشد ضمّ مختلف الأطياف السياسية اللبنانية. وتبرعت تركيا ببناء هذا المستشفى بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان عام ٢٠٠٦، واكتمل البناء عام ٢٠١٠، واستكملت لاحقا عملية تجهيزه وتشغيله.

١.٣مليار دولار تبادل تجاري

في ٢٠١٠ أيضا، وقع البلدان ٨اتفاقيات، أبرزها إلغاء تأشيرة الدخول لمواطني البلدين، وأخرى تتعلق بالتعاون الزراعي والصحي.واستمر تعزيز التبادل التجاري بين البلدين إلى أن بلغت قيمته ١.٣ مليار دولار عام ٢٠١٣.

مشاريع تنموية

تشكل الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) إحدى أبرز وجوه التعاون في مجال التنمية، حيث أنجزت مئات المشاريع في مناطق لبنانية مختلفة. ومنذ ٢٠١٢، يقوم المركز الثقافي التركي “يونس أمرة” في بيروت بتدريس اللغة التركية لطلاب لبنانيين، فضلا عن تنظيم مؤتمرات ومعارض وحفلات موسيقية، بما يساهم في تعزيز العلاقات بين البلدين انفجار مرفأ بيروت

كانت تركيا من أولى الدول التي هبت لمساعدة لبنان، عقب انفجار مرفأ بيروت، في ٤ أغسطس/ آب ٢٠٢٠ ، الذي أودى بحياة ٢١٩ شخصا، وأصاب أكثر من ٧ آلاف، وخلف أضرارا مادية هائلة. ومنذ الانفجار، بلغ إجمالي المساعدات التي قدمتها أنقرة للبنان ٥ ملايين دولار على شكل مساعدات إنسانية وفق الاحتياجات اللازمة، سواء إلى الحكومة أو إلى الشعب. وساهم في تقديم هذا الدعم كل من وكالة “تيكا” وإدارة الكوارث والطوارئ التركية (أفاد) والهلال الأحمر التركي، وكذلك منظمات المجتمع المدني، مثل هيئة الإغاثة التركية (İHH) وجمعية “صدقة طاشي”.

فيما قدمت القوات المسلحة التركية لنظيرتها اللبنانية ١٧٠ صندوقا من المستلزمات الطبية وقرابة ٦٠٠ صندوق من المعدات الوقائية الشخصية و٢٦٠ طنا من المواد الغذائية ومستلزمات التنظيف. وعلى الصعيد الصحي، قدمت وزارة الصحة التركية، في يونيو/ حزيران الماضي، لنظيرتها اللبنانية مساعدات بقيمة ٣٠٠ ألف دولار، إضافة الى مساعدات تقنية ولوجستية.

انفجار عكار

في أغسطس/ آب ٢٠٢١، وقع انفجار في خزان وقود ببلدة “التليل” بقضاء عكار شمالي لبنان، ما أدى إلى مصرع ٣١ شخصا وإصابة ٧٩ آخرين، بينهم أفراد بالجيش. وسارعت تركيا إلى تقديم مساعدات طبية وإنسانية وأدوية، وتم نقل ٥ جرحى إلى تركيا لتلقي العلاج، بواسطة طائرة إسعاف تركية. وأشاد وزير الصحة اللبناني حينها (السابق)، حمد حسن، بمساهمات أنقرة، ووصفها بأنها “مبادرة إنسانية بامتياز”.

مشاركة بقوات “اليونيفيل”

تركيا تشارك منذ ٢٠٠٦ في قوة الأمم المتحدة المؤقتة جنوبي لبنان (يونيفيل)، المكلفة بالتأكد من انسحاب إسرائيل من لبنان واستعادة الأمن والسلام الدوليين، ومنع الأعمال العدائية على الحدود. وفي ٢٠٠٦، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار ١٧٠١، الذي أوقف حربا استمرت ٣٣ يوما بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي جماعة “حزب الله” اللبنانية، ونص على نشر ١٥ ألف جندي من قوات “اليونيفيل” جنوبي لبنان. ووافق البرلمان التركي، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، على تمديد مهمة القوات التركية المشاركة في قوات “اليونيفيل” عاما إضافيا.

وفي أكثر من مناسبة، عبّر مسؤولون لبنانيون، لا سيما وزراء في الحكومة الحالية، عن رغبتهم وتطلعهم نحو تعزيز العلاقة بين البلدين، خاصة في مجالات بينها الطاقة والصحة والزراعة والبيئة والسياحة.