عبد الحكيم محمود – اقترح الباحثون في ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة “ذا أستروفيزيكال جورنال” (the astrophysical journal) طريقة جديدة لحساب عدد الثقوب السوداء في الكون.
الدراسة قام بها فريق علمي دولي من العلماء بقيادة المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة the international school of advanced studies” (sissa)” في إيطاليا، حسب تقرير لموقع “ساينس ألرت” (science alert)، واعتمدت الطريقة الجديدة على دراسة الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية، التي تشكل نهاية حياة النجوم الضخمة، ولها كتل تتراوح بين بضع مئات من أضعاف كتلة الشمس، التي انهارت وماتت في تلك المواضع. وتوصل الباحثون إلى أنه في الكون المرئي -وهو عبارة عن كرة قطرها نحو ٩٠ مليار سنة ضوئية- يبلغ عدد الثقوب السوداء به نحو ٤٠ تريليونا، أي ٤٠ مليار مليار، وهو ما يمثل ١% من الكتلة الطبيعية للكون المرئي.
هل يمكن عدّ الثقوب السوداء في الكون؟
تمثل الثقوب السوداء علامة استفهام ضخمة معلقة في فهمنا للكون، أو بالأحرى الكثير من علامات الاستفهام، ولكن إذا كانت لدينا فكرة جيدة عن عدد الثقوب السوداء الموجودة فقد يساعد ذلك في الإجابة عن بعض هذه الأسئلة. وحسب المعلومات المتوفرة، فإن الثقب الأسود منطقة في الفضاء ذات كثافة مهولة (أي تحوي كتلة بالغة الكبر بالنسبة لحجمها) تفوق غالبا مليون كتلة شمسية. كما يتمتع الثقب الأسود بجاذبيته العالية أيضا، حيث له القدرة على ابتلاع كل المواد المحيطة به، وبسبب تلك الجاذبية العالية جدا فإنه حتى الضوء لا يستطيع الإفلات منها، ولهذا تسمى ثقبا أسود. ونظرا لأننا لا نستطيع رؤية الثقوب السوداء، فمن الصعب أن نعرف بالضبط عدد الثقوب الموجودة في الكون الكبير الواسع، كما أن محاولة عدّ الثقوب السوداء الموجودة في الكون تشبه محاولة عدّ حبات الرمال في الصحراء. لكن رغم ذلك، فإن العلماء حاولوا إيجاد أعداد تقديرية بالطريقة الجديدة التي توصل لها طالب الدكتوراه في المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة أليكس سيسيليا وزملاؤه، بإشراف كل من البروفيسور أندريا لابي والدكتور لومين بوكو وآخرين.
كيف توصل الباحثون إلى حساب الثقوب السوداء؟
حسب تصريح المؤلف الأول للدراسة أليكس سيسيليا -الذي تضمنه بيان صحفي للمدرسة الدولية للدراسات المتقدمة- قال إنهم استطاعوا حساب أعداد الثقوب السوداء في الكون المرئي عبر تتبع تطور النجوم في الكون، وقدروا عدد المرات التي تتحول فيها النجوم -سواء بمفردها أو في أنظمة ثنائية- إلى ثقوب سوداء.وومن أجل تحقيق ذلك، صمم الباحثون نموذجا يحاكي تطور المجرات على مدى مليارات السنين لمعرفة عدد النجوم العملاقة الميتة، وبالتالي تخمين عدد الثقوب السوداء التي خلفتها. وراعى الباحثون عند تصميمهم هذا النموذج عدة عوامل، ومنها: حقيقة أن بعض المجرات تستطيع تشكيل نجوم جديدة بشكل دوري، في حين تعجز مجرات أخرى عن ذلك. بالإضافة إلى “معدنية” المجرة، والذي يعد مقياسا يحدد كمية العناصر الموجودة داخل كل مجرة -في ما عدا الهيدروجين والهيليوم- حيث إن وجود كمية أكبر من المعادن يمكنه أن يعزز تبريد الغازات الموجودة في المجرة، مما يساعد المجرات على إنتاج نجوم جديدة بصورة فعالة. ومن أجل تعقب تطور تلك النجوم، والأهم من ذلك تعقبها بعد موتها، استخدم الباحثون عند تصميم النموذج البيانات المعروفة للمجرات المختلفة؛ مثل أحجامها، والعناصر التي تحتوي عليها، وأحجام الغيوم الغازية التي قد تتشكل فيها النجوم؛ وبالتالي بنى الفريق نموذجا للكون يعكس بدقة الأحجام المختلفة للنجوم التي يتم تكوينها، وكم مرة يتم إنشاؤها، وأوضحت هذه النماذج للعلماء نسبة نجوم المجرة التي تموت سنويا. بعد ذلك درس الباحثون الثقوب السوداء التي تتشكل من خلال تطور النجوم الفردية أو الثنائية، مع الأخذ في الاعتبار دور اندماج الثقوب السوداء، الذي يمكن تقدير أرقام حدوثه بناء على بيانات موجات الجاذبية، التي تنتج ثقوبا سوداء ذات كتل أعلى قليلا. ووجد الفريق البحثي أن أكبر الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية تتشكل عادة من اصطدام الثقوب السوداء الأصغر داخل العناقيد النجمية، وهي فكرة تتطابق جيدا مع بيانات موجات الجاذبية التي تم جمعها حتى الآن حول تصادمات الثقوب السوداء.
نحو فهم أفضل لنشأة الثقوب السوداء
يقول تقرير “ساينس ألرت” إنه من غير الواضح كيف نمت هذه الثقوب العملاقة بهذه السرعة، حيث تتعلق بعض الأسئلة الحالية بكتلة “بذور” الثقب الأسود التي نشأت منها، سواء كانت ثقوبا سوداء ذات كتلة نجمية خفيفة أو ثقوبا سوداء متوسطة الكتلة.
وبالتالي يأمل العلماء أن توفر نتائج البحث أساسا للتحقيق في هذه الأسئلة، وتعد هذه الورقة الأولى في سلسلة أبحاث استكشاف الثقوب السوداء، كما ستبحث الأوراق المستقبلية في الثقوب السوداء متوسطة الكتلة والثقوب السوداء فائقة الكتلة، للحصول على صورة أكثر اكتمالا لتوزيع الثقوب السوداء عبر الكون. ويأمل علماء الفيزياء الفلكية استخدام التقدير الجديد للتحقيق في بعض الأسئلة المحيرة التي تنشأ من ملاحظات الكون المبكر جدا. على سبيل المثال، كيف أصبح الكون المبكر مأهولا بسرعة كبيرة بالثقوب السوداء الهائلة، وذلك بعد فترة وجيزة من الانفجار العظيم.