عبد الحكيم محمود/صحفي علمي – ذكر في دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة ساينتفيك ريبورتز Scientific Reports -إحدى دوريات نيتشر في شهر يناير الحالي ٢٠٢٢ أنه قد توصل باحثون في جامعة روتجرز الأمريكية بقيادة الباحثة إليز لوجير -عالمة الآثار البيئية وزميلة ما بعد الدكتوراه في مؤسسة العلوم الوطنية في كلية الآداب والعلوم في جامعة روتجرز – نيو برونزويك- إلى اكتشاف مهم في التأريخ البشري للزراعة؛ وهو اكتشاف أول دليل قاطع على وجود نوع من حبوب الدخن يسمى Broomcorn millet في العراق القديم، مما يمثل تحديًا لفهم الممارسات الزراعية المبكرة للإنسانية.

الزراعة في بلاد الرافدين

مما نعلمه أن بلاد الرافدين هي المنطقة التي يجري فيها نهري دجلة والفرات وتقع في العراق وأجزاء من سوريا وتركيا، كما تعد من أولى المراكز الحضارية في العالم؛ إذ إن أشهر حضاراتها هي حضارة سومر وآكد وبابل وآشور وكلدان وجميعهم نشأوا على أرض العراق.

ولقد كان للزراعة مكانة هامة في الحياة الاقتصادية لبلاد الرافدين، كما هيأت الأرض الخصبة والمياه الوفيرة خاصة -في المنطقة الوسطى والجنوبية من البلاد- قيام تلك الحضارات، حيث سمّى العرب العراق بأرض السواد؛ لكثرة زرعها، وتقول المصادر التاريخية أن العراقيين الأوائل اكتشفوا الزراعة ومارسوها منذ العصر الحجري الحديث، كما يشهد التأريخ أن البابليين أقاموا السدود وبنوا الخزانات ومصارف المياه وقاموا بشق القنوات التي استخدمت في الري، وكوسيلة للنقل والمواصلات؛ وذلك من أجل التخفيف من وطأة الفيضانات، بالإضافة إلى أن القنوات قد كانت تحمل الماء إلى أطراف الحقول والمراعي.

ومن أهم المحاصيل الزراعية التي عرفها البابليون الحبوب كالذرة والقمح والشعير، والتمور والفواكه المختلفة والخضروات والسمسم والزيتون، كما زرعت الحبوب والمحاصيل المختلفة في مساحات صغيرة حول المدن، بالإضافة إلى زراعتها على أراضي واسعة تابعة للمعبد أو للقصر الملكي وتتولى جمعيات زراعية إدارتها والإشراف عليها.

أول زراعة للدخن

الدخن هو عبارة عن نوع من الحبوب سريعة النمو وتتطلب كميات قليلة من المياه، وهي مغذية وخالية من الغلوتين، كما يعتبر دخن بروسو أحد أنواع الدخن وله العديد من الأسماء الشائعة، وقد كانت الدلائل الأثرية تشير إلى أن هذا الدخن قد تمت زراعته لأول مرة في شمال الصين؛ حيث تقول الباحثة إليز لوجير التي قادت هذا الاكتشاف: “إن هذا الدخن هو محصول صيفي قوي بشكل مذهل وسريع النمو ومتعدد الاستخدامات” تم تدجينه لأول مرة في شرق آسيا.

ولكن بناء على هذه الدراسة فقد قام الباحثون بتحليل بقايا النباتات المجهرية (الحصيات النباتية) من خاني ماسي؛ وهو موقع يعود إلى منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد (حوالي ١١٠٠- ١٥٠٠قبل الميلاد) في إقليم كردستان العراق، وتقول لوجير: “إن وجود هذا المحصول من شرق آسيا وفي العراق القديم يسلّط الضوء على الطبيعة المترابطة لأوراسيا (قارتي آسيا وأوروبا) خلال ذلك الزمن، مما يساهم في معرفتنا بالعولمة المبكرة للغذاء “، وأضافت لوجير: إن “اكتشافنا للدخن هو دليل على ممارسات الزراعة الصيفية في بلاد الرافدين في فترة مبكرة، وذلك ما يجبرنا أيضًا على إعادة النظر في قدرة ومرونة النظم الزراعية التي دعمت ووفرت الغذاء للمدن والدول والإمبراطوريات في بلاد ما بين النهرين في وقت مبكر.”

أهمية الدراسة

ووفقاً للدراسة فقد كان اكتشاف دخن بانيكوم في بلاد ما بين النهرين القديمة مفاجئًا لأسباب بيئية وتاريخية، حيث اعتقد الباحثون أن الدخن لم يكن يُزرع في العراق حتى بناء أنظمة الري الإمبراطورية في الألفية الأولى قبل الميلاد؛ إذ أن زراعة الدخن تتطلب هطول الأمطار الصيفية للنمو، ولكن جنوب غرب آسيا يتمتع بمناخ رطب شتاء وجاف صيفا، ويعتمد الإنتاج الزراعي بالكامل تقريبًا على المحاصيل المزروعة خلال الشتاء مثل القمح والشعير، كما أن الأدلة الجديدة التي قدمها الباحثون على أن المحاصيل والأغذية قد نمت في الواقع في أشهر الصيف؛ وهذا يعني أن الدراسات السابقة قد قللت إلى حد كبير من قدرات ومرونة مجتمعات النظم الغذائية الزراعية القديمة في النظم البيئية شبه القاحلة، وبخاصة إذا علمنا أن المنتجات الزراعية لها أثر كبير على بناء واستدامة المدن والحضارة في تلك المجتمعات.

كما تُعد هذه الدراسة الجديدة أيضًا جزءًا من الأبحاث الأثرية المتزايدة التي تُظهر بأن الابتكار الزراعي كان مبادرة محلية في الماضي، وقد تم تبنيها كجزء من استراتيجيات التنويع المحلي قبل وقت طويل من استخدامها في أنظمة التكثيف الزراعي الرسمية، وهذه المعلومات الجديدة يمكن أن يكون لها تأثيراً على معرفة كيفية تطوير حركة الابتكارات الزراعية اليوم.

وقالت لوجير: “على الرغم من أن الدخن ليس طعامًا شائعًا أو مفضلاً في منطقة جنوب غرب آسيا شبه القاحلة فإن الدخن ما يزال منتشرًا في أجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا”.

وتبين هذه الدراسة كيفية توفير الامكانيات والابتكارات في أساليب الري والزراعة؛ لزراعة الدخن وزيادة قدرات المرونة للأنظمة الزراعية في المناطق شبه القاحلة، حيث “يجب على المبتكرين الزراعيين اليوم التفكير في الاستثمار في المزيد من التنوع وأنظمة غذائية مرنة، تمامًا كما فعل الناس في بلاد ما بين النهرين القديمة “.