عبد الحكيم محمود – من المعروف أنه لن يكون هناك أكسجين على الأرض لولا ضوء الشمس، المكون الرئيسي في عملية التمثيل الضوئي. لكن فريقا من الباحثين، من جامعة جنوب الدانمارك university of southern denmark، توصلوا في دراستهم التي نشرتها مجلة ساينس science مؤخرا، إلى اكتشاف مفاجئ لميكروب بحري غريب لا يقوم بعملية التمثيل الضوئي، ولكنه لا يزال يولد الأكسجين بدون ضوء الشمس.
ويبدو أن هناك الكثير مما يحدث في مياه المحيطات العميقة والمظلمة أكثر مما قد تعتقد، فهناك عدد لا يحصى من الكائنات الحية الدقيقة غير المرئية تمضي حياتها اليومية في أعمدة المياه، والآن اكتشف الباحثون أن بعضها ينتج الأكسجين بطريقة غير متوقعة.
ميكروبات المحيطات
الميكروبات البحرية كائنات دقيقة وحيدة الخلية تعيش في المحيط وتشكل أكثر من ٩٨% من الكتلة الحيوية للمحيطات، وتشمل البكتيريا، والعتائق archaea، وحقيقيات النوى eukaryote، والفيروسات. وهي كائنات دقيقة لا يمكن رؤيتها بالعين البشرية.
يقول بيان صحفي لهذه الجامعة إنه من المعروف أن القليل من الميكروبات تنتج الأكسجين بدون ضوء الشمس، ولكن حتى الآن لم يتم اكتشافها إلا بكميات محدودة للغاية وفي موائل محددة للغاية وبحسب البيان فإن الباحثين، وبعد دراستهم المخبرية للميكروبات المختلفة في أعماق المحيط، توصلوا إلى اكتشاف نوع من الميكروبات التي يمكنها العيش في الأماكن المظلمة منخفضة الأكسجين بأعماق المحيط.
وأكد الباحثون أن الشيء المثير للاهتمام بهذه الكائنات الدقيقة أنها قادرة على إنتاج الأكسجين، دون الحاجة إلى ضوء الشمس، إذ إن معظم الكائنات الحية التي تولد الأكسجين هي النباتات والطحالب والبكتيريا الزرقاء، وتقوم بذلك من خلال عملية التمثيل الضوئي.يقول الباحثون إن تلك الميكروبات القادرة على إنتاج الاكسجين في الظلام والتي تم اكتشافها بهذه الدراسة المثيرة، وهي نوع من الميكروبات تدعى نيتوسوباميلاس ماريتيموس nitosopumilus maritimus، وهي واحدة من أصغر المخلوقات على الأرض، ومن الكائنات الحية الدقيقة وحيدة الخلية التي لا تحتوي على نواة.
ووفقا للدراسة، يقول الباحثون إن هذه الميكروبات توجد بكثرة في المحيطات وتلعب دورا مهما في دورة النيتروجين، حيث تعمل على أكسدة الأمونيا لإنتاج النيتروجين الذي يتطلب الأكسجين، لهذا فإن هذه الكائنات غالبا ما تعيش في المناطق الغنية بالأكسجين في المحيط.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الاكتشاف المثير للاهتمام الذي توصل له الباحثون هو أن هذا النوع من الميكروبات يمكنه أيضا البقاء على قيد الحياة بالمناطق المظلمة من المحيط، حيث يوجد القليل من الأكسجين وهو أمر حير العلماء فترة طويلة. ولفحص ودراسة هذه الميكروبات، قام الباحثون بإنتاج مزارع من العتائق في حاويات محكمة الإغلاق تم الاحتفاظ بها في الظلام، ثم قاموا بعد ذلك بتقليل مستويات الأكسجين بشكل مصطنع في الحاويات لتقليد أعمق مناطق المحيط، وبعد أن استهلكت العتائق كل الأكسجين المتبقي في المزرعة، بدأت مستويات الأكسجين في الارتفاع مرة أخرى. ورغم ذلك يقول الباحثون إنهم ليسوا متأكدين تماما من كيفية توليد الميكروبات للأكسجين الإضافي، إلا أنهم يرون أن إنتاج ميكروبات نيتوسوباميلاس ماريتيموس للأكسجين قد تم من خلال استخدام الميكروبات لطريقة بيولوجية مختلفة عما يعرفونه، وهي آلية لم يشهدوها من قبل.من ناحية أخرى، تمكن الباحثون من إثبات أن تلك الآلية البيولوجية التي تستخدمها الميكروبات قد أدت إلى إنتاج كل من الأكسجين وأكسيد النيتروجين، وهو مزيج من المنتجات التي لم تتم رؤيتها في المسارات المعروفة لتوليد الأكسجين. ويرى الباحثون أن تلك العتائق المؤكسدة للأمونيا من بين الكائنات الحية الأكثر عددا على الأرض، وقد عرف العلماء منذ أكثر من عقد من الزمان أنها تلعب دورا رئيسيا في أكسدة الأمونيا، لكن قدرتها على إنتاج الأكسجين أمر مثير للدهشة. ويتوقع أنه إذا كانت هذه العتائق بهذا الانتشار في المحيطات، فيمكن أن يشير ذلك إلى أن هذه الآلية ربما تكون موجودة في الكثير من الكائنات الحية الأخرى أيضا. وإذا كان أسلوب الحياة هذا منتشرا في المحيطات، فإنه بالتأكيد يدفعنا لإعادة التفكير في فهمنا الحالي لدورة النيتروجين البحري. وهذا ما سيدفع الباحثين لأن تكون خطواتهم المقبلة هي التحقق من تلك الظاهرة، التي اكتشفوها في مختبرهم بالمياه مستنفدة الأكسجين في مناطق مختلفة من المحيطات حول العالم.