نبيل الزعبي – في خِضّم الازمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي يعيشها اللبنانيون ، تقفز الى الواجهة مجدداً معاناة شباب مدينة طرابلس وما تناقلته الانباء مؤخراً عن مغادرة المئات منهم الى الخارج هرباً من فتح ملفاتهم الامنية وامكانية تعرّضهم للملاحقات استناداً الى عدم اغلاق هذه الملفات او شطبها عن سجلاتهم العدلية مما يتيح لهم العودة الى حياة طبيعية مستقرة في مدينتهم وبين بيئتهم وعترتهم ، بالتوازي مع انباء اخرى سلطت الضوء على عائلات باكملها حاولت الهجرة غير المشروعة الى احدى الدول الاوروبية فإذا بها تتعرض للملاحقة والعذاب النفسي والجسدي ومصادرة المركب في اليونان قبل ان تُعتَقَل في تركيا ثم يطلَق سراحها وتعود ب خِفّي حنين الى البلد وقد خسرت الى جانب ما ادّخرته من اموال ، كل ما تعلّقت به من آمال بحياة أخرى تنقذها من جحيم ٍ حاصل لا محالة.
انها يوميات المدينة المقهورة التي لم يغادر البؤس ابناءها لعقودٍ من السنين في ظل استمرار حال الجوع والفقر الذي لم يعد يميّز بين حيٍّ وآخر من احياء المدينة اوشريحة وشريحة اجتماعية أخرى، لا سيّما تلك المناطق الفقيرة والمحرومة اساساً واصبحت تعاني من الإفقار والتجويع ما لا يمكن للكفر ان يقتصر عل الجوع وحسب ،ولم يعد للفقراء ما يسعون اليه سوى الحرص على الموت بكرامة حين يتعذّر عليهم الهروب الارادي على قوارب الموت او ابواب السفارات او على ايدي من يغرر بالشبّان منهم لاستخدامهم في اكثر من ساحةٍ وميدان .
هذا هو الواقع الذي عجزت السلطات اللبنانية المتعاقبة عن احتوائه والاقتناع بان معالجة معاناة ابناء طرابلس لا ولن تكون سوى باحتضان مطالبهم في حق الانتماء لدولة عادلة تساوي في الحقوق والواجبات لجميع مواطنيها ،دون الاكتفاء بفرض ما عليهم من واجبات ،ومنع الحقوق عنهم،
وقد دفعت طرابلس الكثير الكثير من هذه الواجبات ،وبقيت على الهامش في كل ما تستحقه من انماء ورعاية واهتمام .
انه لمن الظلم والاجحاف ان لا يسلّط الاعلام اضواءه على طرابلس الا بتصويرها مدينة تطرُف وساحة عنف وهذا الظلم لا يقل اجحافاً عن افقار هذه المدينة وتجويعها بحجب كل ما تحتاجه من رعاية رسمية ، اقلها الانماء المطلوب في تفعيل عمل مرفأها واعادة العمل بمصفاتها وتشغيل معرضها الدولي واحياء مصانعها المتوقفة عن العمل ،وقد تحول حديدها الى “خردة “غير صالحة ،حتى للبيع في المزادات العلنية ، فضلاً عن السعي الدؤوب الى كل ما يخلق فرص عمل شريفة لابنائها ، هذه الفرص ،التي
تقاعس عن تحقيقها حتى يومنا هذا اهم واكبر “ملياردية” المدينة المحسوبين نواباً عليها واذا بهم نوائب الدهر الذين اثقل وجودهم و”حسبانهم “على طرابلس ،من مضاعفة آلام المدينة ومرارة معاناتها.
لقد توفرت لهم كل الفرص لانصاف المدينة وانمائها ولو بالحدود الدنيا عندما كانوا جميعاً في حكومة واحدة ،رئيساً وخمس وزراء ولم يفعلوا شيئاً للمدينة ،حتى المئة مليون دولار التي تباهوا بتخصيصها للمدينة ،تبخرت ولم تُصرف ،
اما الدوائر الرسمية في المدينة فعبثاً تستدل على من هم ابناء المدينة فيها، ممن ليسوا منها ،
كما ان هذه المدينة لم تنس بعد الوعود الانتخابية الاخيرة ل “بي الطائفة “بتخصيص آلاف الوظائف لابنائها فتبخرت بدورها وصار الدفاع عن “مظلوميته ” اهم من زج الطائفة في آتون الفقر والعوز والجوع ،الى الدفاع المشبوه عن حاكم مصرف لبنان الذي استولى على اموال المودعين من كل الطوائف ، وساوى بين جميع اللبنانيين في طوابير الذل على الصيدليات والافران ومحطات المحروقات وغيرها.
كم كان هؤلاء “كرماء” عندما كانت المدينة ساحة بريد للاطراف الاقليمية والمحلية مجتمعةً ، عندما حرصوا على تزويد امراء المحاور بكل ما يلزمهم من سلاح وعتاد ورصاص لم يقتل سوى ابناء المدينة، ولم يدمر سوى ارزاق الناس في بيوتهم ومتاجرهم ، وكم كان الكرم يتجلى ايام الانتخابات النيابية التي لطالما تباهوا بصرف مئات الملايين من الدولارات شراءً لذمم الناس دون ادنى خجل ،والمدينة تذكر كيف صحح احدهم خبرية انفاقه خمسة ملايين دولار بالتصريح انها خمسة وعشرين مليون دولار وليس خمسة، مع باكورة خوضه لهذه الاستحقاقات ،وهو الذي تتوجه اصابع الاتهام اليه اليوم ،بتناول الرشى في فضيحة البواخر التركية ،مؤكداً شطارته الباهرة في استخدام شعار “ثروتنا عقلنا “، الذي لم يسبقه عليه حتى الاقطاع السياسي الذي كان بدائياً جداً امام هذه الفهلوة والشطارة ، مثلما هي فضيحة القروض السكنية التي تم حجبها عن مئات الشباب اللبناني لمصلحة ابناء رجل “البر والاحسان ” الذي لم يُعِد لمساهمي شركة الخليوي التي أنشأها في التسعينات ،اموالهم المقدرة بخمسمائة دولار لكل مشترك في حينها ، والتي بلغت المئات من الملايين بفوائد طائلة غير مقدّرة ايضاً الى اليوم، ومع ذلك يتم تربيح الناس “جميلة “تقديم خدمات صحية واجتماعية لا تساوي جميعها نزراً يسيراً جداً من هذه الفوائد .ولأن المجالس بالأمانات نكتفي في هذا المجال بما كاشفه يوماً راحل كبير من المدينة ناصحاً إياه بأن يقدم للناس “صنارة وشبكة “بدل اعطاءهم “سمكة “في مناسبات افطارات رمضان على سبيل المثال ،ولم يهتم ،ويا ليته ، وهو اليوم في قمة المسؤولية ،
يعيد المصانع المتوقفة عن العمل في البحصاص الى سابق عهدها على الاقل ، والاسراع في انتشال مشروع “نور الفيحاء” من الادراج وهو القادراليوم اكثر من ايً يومٍ آخَر ،
غير انها غريزة الحرص على النفوذ باستمرار حاجة الناس اليهم ،يدقون ابوابهم ويعاملونهم كمتسولين دون ان يفوا بوعدهم ان الناس لن تجوع في طرابلس ،وجاعت الناس ،
وصارت تفتش عن لقمة عيشها في مكبات الزبالة على ايامهم ، في الوقت الذي لم تستثنِ البطالة بيتاً من بيوت المدينة بعد وعودٍ خلّبية رماها من هبطت عليه الزعامة ايضاً بباراشوت دم الشهيد المسفوح ،فلم يكتفِ بوعد الطرابلسيين بعشرات آلاف الوظائف من بين التسعمائة الف الموعودة وحسب ،وانما يعود اليوم ليستدر عطف الطائفة وكأنه لا قيامة لها الا بعودته على حصانٍ ابيض ،
وتلك لعمري مأساة من جاءته الزعامة على طبق من ذهب فخسر نفسه وخسر الذهب معاً .
اما ابناء طرابلس فعساهم تعلّموا واخذوا العِبَر المرّة مع كل هؤلاء، الذين تركوهم يقلّعون شوكهم بايديهم في الجلجلة التي لن تنتهي سوى باحتواء الدرس، بعد ان جمعهم الالم ،
وعليهم ان لا يفقدوا الامل .