عايدة حسيني

– الموسيقار الياس الرحباني أسطورة فنية مميزة في الوسط الفني اللبناني والعربي واليوم بعد سنة على رحيله ترك فراغاً فنياً وابداعاً موسيقياً لامثيل له فهو العملاق المشع من عمالقة فن الزمن الجميل والراقي المختلف عن الآخرين بكل ماقدمه لنا بالشكل والمضمون

هو واحد من عمالقة الفن، خرج من تحت جناح أخويه اللذين أسسا الأغنية اللبنانية الحديثة والمسرح الغنائي، لم يرد أن تكون شهرته سهلة يقطفها من سمعة أخويه، حلّق خارج السرب، ورسم خطوط شخصيته الفنية المنفصلة، وإختلف عن غيره، ففضّل أن يكون له نهج خاص وبصمة مختلفة بمزج اللحن الشرقي بالغربي، إنه ثالث الرحابنة ..إنه إلياس الرحباني .
لم يقع في النمطية، تفوّق على نفسه، وما قدمه هذا المؤلف الموسيقي والشاعر والمسرحي والمايسترو والناقد الموسيقي المبدع في عالم الموسيقى والنغم من إنجازات تخطت حدود وطنه لبنان لتطال العالم أجمع، وتغني التراث العالمي والفرانكوفوني.

نشأته وإنطلاقته

ولد إلياس الرحباني في منطقة إنطلياس الواقعة في شمال بيروت، في ٢٣ حزيران/يونيو عام ١٩٣٨، في عائلة فنية، فهو شقيق عاصي ومنصور الرحباني وشقيقاته سلوى ونادية وإلهام، وإبن حنا الياس الرحباني، وسعدى صعب. أحب الموسيقى بعد أن تعرّف عليها من خلال أخويه عاصي ومنصور، اللذين يكبرانه في السن وإعتبرهما أبوين له، وفي الثامنة عشرة من عمره حين كان قد قرر أن يستمر في طريق العزف على البيانو، أصابه حادث في إصبعه أجبره على التوقف عن العزف لفترة، وبعد رحلة يأس إتجه بالصدفة إلى التأليف الموسيقي والتلحين.
تلقى علومه الموسيقية في البيانو والهارموني والتأليف الموسيقي في الأكاديمية اللبنانية (عامي ١٩٤٥ – ١٩٥٨)، وفي المعهد الوطني للموسيقى (عامي ١٩٥٥– ١٩٥٦)، إضافة إلى تلقيه دروس خاصة لمدة عشر سنوات، تحت إشراف أستاذين فرنسيين في الموسيقى هما ميشال بورجو (للبيانو) وبرتران روبيار (للهارموني والتأليف)، أراد دراسة المحاسبة فإلتحق بمعهد “المتني” لمسك الدفاتر، وأخذ اول درس، ولكنه خرج ولم يعد.

حب وزواج “خطيفة”

روى إلياس الرحباني قصة زواجه الرومانسية من رفيقة عمره نينا، وذكر أنه “أخذها خطيفة” من دون علم والديها، بعد قصة حب عاصفة، فأكملا الحياة سوياً ورزقا بجاد وغسّان.
يقول الياس الرحباني عن زواجه: “بعد ٥ لقاءات مع نينا إتخذت قرار الزواج، وكانت نينا في السابعة عشرة من عمرها”، وفي الرابعة والعشرين من عمرها كتبت نينا قصصاً إحداها بعنوان “حتى آخر العمر”، التي تحولت إلى فيلم ونال جائزة المجمع الكاثوليكي في مصر، وقصة “عازف الساكسفون” التي تحولت إلى فيلم “شبح الماضي”.
وأصبحا جداً وجدة لـ”رامي” و”ريان” ولدي جاد الرحباني ورانيا طرابلسي، وللتوأم “كريستي وسيندي”، و”ميا” بنات غسان الرحباني وصاحبة أجمل وجه في ملكة جمال لبنان عام ١٩٩٧ داليدا شماعي.
أسس إلياس الرحبانيالموجة العالمية للموسيقى والأغاني الفرنسية والإنجليزية بأصوات فنانين لبنانيين، بعد إنتاجه لعدد من الحلقات في إذاعة BBC القسم العربي، فقدم برنامجاً من ١٣ حلقة بعنوان “صياد الحلوين”، وإنتقل إلى إذاعة لبنان في بداية إنطلاقتها، عمل مخرجاً ومستشاراً موسيقياً طوال عشر سنوات، بين عامي ١٩٦٢ و١٩٧٢، وأيضا كمنتج موسيقي لدى شركات منتجة للأسطوانات، ثم غادر لبنان عام ١٩٧٦ بسبب الحرب، لكنه عاد وإستقر في لبنان وإفتتح استوديو خاصاً به في منطقة النقاش في المتن الشمالي عام ١٩٩٠ بتقنيات عالية، ويتم فيه تسجيل جميع الألحان والأغاني لجميع الفنانين.

موسيقاه وإنتاجاته

شارك إلياس الرحبانيفي مهرجان اليونان الدولي للأغنية في بداياته، وفي مهرجان روستوك العالمي للأغنية في ألمانيا الشرقية عام ١٩٩٧، وحاز الجائزة الأولى عن أغنية Mory Mory، للفنان سامي كلارك.
ألف مقطوعات وموسيقى تصويرية لـ25 فيلماً سينمائياً، وأيضا لمسلسلات، ومقطوعات كلاسيكية للبيانو، وهو من أطلق الأغنية الدعائية التي تتصف بالإيقاع الراقص، فقدم أكثر من ثلاثة آلاف إعلان غنائي، وعشرات الـJingles الغنائية الخاصة بالإذاعات.
يمتاز بلحنه الموسيقي التصويري الرومانسي الذي اشتهر به في الأفلام المصرية، ومنها “حبيبتي” مع فاتن حمامة و”دمي ودموعي وإبتسامتي” و”أجمل أيام حياتي” مع نجلاء فتحي. والمسلسلات اللبنانية “لا تقولي وداعاً” و”عازف الليل” وألو حياتي” مع هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب، وغيرها من المسلسلات. كما ألّف أيضاً أغاني باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومنه أغنية once again و”هالي دبكة يابا أوف” لصباح، وتعاونت معه جوليا بألبوم كامل باللغة الفرنسية، ولحن وكتب بالفرنسية أغنيات للفنانين مانويل، ليلى بعلبكي، طوني فاليير وكارل إس، وألبوم أوبرالي لإيريني شماس، وتعاون مع باسكال صقر لمدة طويلة، وقدّم معها أجمل الأغاني منها “يا سارق مكاتيبي”، “اشتقنالك يا بيروت”، قصيدة يا حبيبي، ومع الأمير الصغير بألبوم كامل تضمن أغنية “كذابة”، كما أحيا العديد من الحفلات والرسيتالات في كازينو لبنان، وأهم المسارح العالمية مع باسكال صقر والمغني الأوبرالي إدي عون، وأعطى أغاني فرانكو – عربي لفريال كريم ومنها أغنية “مطار أورلي” التي شارك فيها معها.
لم يقتصر الأمر على المقطوعات والموسيقى التصويرية والإعلانات، بل ألّف إلياس الرحباني مسرحيات ميّزته وجعلته فناناً شاملاً، فإذا به عام ١٩٧٢منتجاً وكاتباً لسيناريو أوبريت “أيام الصيف” في مهرجانات بيت الدين، “وادي شمسين” مع صباح عام ١٩٨٣، ومن ثم تعاون مع باسكال صقر في المسرحية نفسها عام ١٩٨٤، وألّف “سفرة الأحلام” من بطولة مادونا عام ١٩٩٤، مسرحية “جوهرة الأندلس” التي عرضت في قطر عام ٢٠٠٧ من بطولة عبير نعمة ونقولا دانيال وألين لحود وجهاد الأندري، ومسرحية “إيلا” عام ٢٠٠٩، من بطولة عبير نعمة وجيلبير جلخ.
وله 3 مؤلفات هي “نافذة القمر” التي ترجمت الى الفرنسية، و”الذئاب تصلي”، وهي مجموعة منوعة من خيال وفكر إلياس الرحباني، ويلفت فيها بنظرة فلسفية إلى أنه عندما تصلي الذئاب يكون “الإيمان” في خطر، والحق في طريق الانحسار.
ويشير إلى أن الذئب الذي إلتهم “ليلى” في الحكاية، قد أعلن إنتصار “الخديعة” وهزيمة “السذاجة”، ومع ذلك فإننا ما زلنا إلى اليوم ننجب “ليلى” نفسها من دون تطور معرفي وفهم أعمق للعصر والمعاصرة. وما زالت بالمقابل تتوالد بكثرة وكثافة كل أنواع الذئاب.
كما كتب العديد من الرسائل المؤثرة، وخصوصاً لشقيقه عاصي بعد وفاته.
أول ألحانه “موزاييك الشرق” عام ١٩٧٢، و”يللي مش عارف إسمك” لسمير حنا و”أوضة منسية” لفيروز و”شفتو بالقناطر” لصباح و”قتلوني عيونا السود” و”يا قمر الدار” لوديع الصافي، و”لا تهزي كبوش التوتي” لملحم بركات و”عم بحلمك يا حلم يا لبنان” لماجدة الرومي.
ومن أجمل أغانيه “حنا السكران”، التي غنتها فيروز وبعدها ملحم بركات وفرقة “فور كاتس”، وأغنيتا “طير الوروار” و”كان عنا طاحون” لفيروز، أغنية الديو “يا بو مرعي” لوديع الصافي وجورجيت صايغ، و لملحم بركات.

أناشيد

قدّم إلياس الرحباني أناشيد وطنية وحزبية لمعظم الأحزاب اللبنانية، بالإضافة الى العديد من الأغاني للجيش اللبناني، ومنها أغنية “يا جيش لبنان” لسلوى القطريب.
وهو الفنان الوحيد الذي أصدر عملاً فنياً خاصاً يحكي عن حرية الصحافة والإعلام، تضامن فيه مع موظفي الإذاعات والتلفزيونات حين صدر قانون الإعلام في لبنان، والذي قضى حينها بإقفال عدد كبير من الوسائل الإعلامية، وأجلس الكثير من الموظفين في منازلهم وضمهم إلى العاطلين عن العمل.
ألّف ولحّن نشيداً لمناسبة زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر الى بيروت في شهر أيلول/سبتمبر عام 2012، حمل عنوان “سلامي أُعطيكم” وهو العنوان نفسه الذي إختاره البابا للزيارة، كتبَه باللبنانية والفرنسية الشاعر هنري زغيب، وغنّاه إدغار عون والكورس، وقد إختارته اللجنة المنظمة ليكون النشيد الرسمي لهذه الزيارة.
تولى الياس الرحباني تلحين نشيد العراق للشاعر شفيق الكمالي، بفرقة مؤلفة من 22 عازفاً وعشرة من أفراد الكورس، وأسلحتها الآلات النحاسية، وسجّل النشيد في استوديو بعلبك، أما عراب النشيد فهو عازف العود منير بشير.
إلياس الرحباني يعمل ليل نهار، الموسيقى عمله وهوايته وحبه الكبير، ويهرب بالموسيقى عندما يعيش حالات ألم. ففي مسرحية “سفرة الأحلام” عمل على حواراتها، وهو في حالة الألم.

بمناسبة سنة على رحيل الموسيقار الياس الرحباني الف تحية للأسطورة الفنية الذي لن يتكرر