اسطنبول/ الأناضول

– يمثل الجفاف الذي يضرب بحيرة تشاد، أبرز مثال على المخاطر المدمرة للأمن القومي لدول حوض البحيرة، الواقعة على الحافة الجنوبية للساحل الإفريقي، بسبب التغير المناخي، الذي حولها إلى بؤرة للإرهاب. فبحيرة تشاد، التي كانت تصنف سادس أكبر بحيرة بالعالم، في ستينيات القرن الماضي، تمثل المصدر الرئيسي لحياة نحو ٣٠ مليون نسمة (في ٢٠٠١) يستفيدون من مياهها في الشرب والزراعة، والرعي، وحتى صيد الأسماك والتجارة. ويطل على البحيرة كل من تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون، ورغم أن كلا من الجزائر وليبيا والسودان بالإضافة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، ليست دولا مشاطئة لها، إلا أنها مرتبطة بها بشكل غير مباشر. فالحوض المائي لبحيرة تشاد يعد أكبر الأحواض الداخلية في العالم من حيث المساحة (٢.٥ مليون كلم مربع)، بفضل الأنهار والوديان التي تغذي البحيرة بالمياه. لكن بحيرة تشاد تواجه اليوم خطر الفناء، إذ تقلصت مساحتها السطحية بنسبة ٩٠ بالمئة، وبعدما كانت تبلغ ٢٥ ألف كيلومتر مربع في الستينيات، جفت إلى حد كبير منذ أوائل السبعينيات، إلى ما يقرب من ٢٠٠٠ كيلومتر مربع، بحسب موقع “ناتير/ سيونتيفيك ريبورتز”، بسبب تغير المناخ، والانفجار السكاني، والري الجائر. ويقول الباحث ساهيد باباجيد، من “مركز دراسات السلام والأمن” بنيجيريا، في دراسة نشرت في ٢٠٢٠، إنه “بالنظر إلى سرعة جفاف البحيرة، فقد تختفي تمامًا في أقل من عقد”. الأخطر من ذلك أن ملايين الناس الذين يعيشون على ضفاف البحيرة أو محيطها فقدوا مصادر عيشهم، بعد أن جفت معظم أجزاء البحيرة وتحولت إلى بركتين ضحلتين ومنفصلتين، وتتخللهما الكثير من الجزر الصغيرة.

تعد منطقة بحيرة تشاد واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم، بل وصنف مؤشر الإرهاب العالمي في ٢٠٢٠، بلدانها من بين أقل ١٠ دول أمانًا في القارة. فتنظيم “بوكو حرام”، الذي استوطن الجزء الشمالي من نيجيريا، سرعان ما امتد نشاطه إلى كل من جنوب غرب تشاد، وشرق النيجر، وشمال الكاميرون، بفضل طبيعة بحيرة تشاد، المتميزة بأحراشها الكثيفة وجزرها الكثيرة. إلا أنه منذ ٢٠١٥، أصبح “داعش غرب إفريقيا” اللاعب الأبرز في بحيرة تشاد، وتقاسم مع بوكو حرام، السيطرة على المنطقة، قبل أن يحسم معركة الصراع في شمال شرق نيجيريا، إثر مقتل أبو بكر شيكاو زعيم بوكو حرام في مايو/أيار ٢٠٢١. ورغم تشكيل دول حوض بحيرة تشاد ومعهم بنين، تحالفا عسكريا خماسيا على غرار تحالف الخمسة ساحل، إلا أن ذلك لم يكن كافيا للقضاء على هذه التنظيمات الإرهابية، التي تمكنت من تجنيد آلاف الأشخاص خلال سنوات قليلة. فبحسب دراسة للباحث ساهيد باباجيد، في “مركز دراسات السلام والأمن” بنيجيريا، فإن “فقدان سبل العيش في حوض بحيرة تشاد أدى إلى تأجيج الجريمة، وتجنيد أعضاء جدد في الجماعات الإرهابية، والنزوح من الريف”، والذي أدى بدوره اندلاع العنف وانتشار الجريمة في البلدات والقرى التي تستضيف النازحين. وبحسب الدراسة التي تحمل عنوان “منطقة حوض بحيرة تشاد: السلام يمر عبر الماء وليس الأسلحة”، فإن بوكو حرام استغلت افتقاد سكان المنطقة لسبل العيش لإقناع الفقراء بإيديولوجيتها، ولو بالحوافز المالية. لكن الدراسة، التي نشرت في ٢٠٢٠، حذرت من أن جفاف البحيرة، أدى إلى “نشوب صراع بين الدول التي تعتمد عليها، مما يجعل من الصعب عليها التعاون لمعالجة انعدام الأمن في هذا الجزء من القارة”. فنضوب مياه البحيرة بشكل حاد، وفقدان سكان المنطقة لمصادر عيشهم، وانتشار الجريمة وخاصة سرقة المواشي بين الحدود المشتركة، وانتشار الجماعات الإرهابية، تسبب في كارثة إنسانية.ففي يونيو/حزيران ٢٠٢١، حذرّت الأمم المتّحدة من أن أكثر من ٥ ملايين شخص يكافحون المجاعة في حوض بحيرة تشاد.

في أبريل/نيسان ٢٠١٩، قال رئيس نيجيريا محمد بخاري، إن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وافق على المساعدة في جمع ٥٠ مليار دولار من أجل مشروع لإنقاذ بحيرة تشاد، التي أصابها الجفاف.إلا أنه ومنذ ذلك التاريخ، لم يتحقق سوى القليل من المشاريع الصغيرة في المنطقة التي تهدف لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة، ولم تتحمس الدول المانحة بتقديم مساعدات أو استثمارات بهذا الحجم الضخم، خصوصا أن المنطقة تعاني من هشاشة أمنية، والعوائد من أي استثمار طويل المدى تبدو محدودة. وفي المؤتمر العالمي للمناخ “كوب – ٢١ “، المنعقد بباريس في ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٥، وجه الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، نداء استغاثة، قائلا “لدى الأفارقة مشروع لم يجد التمويل، وهو نقل المياه من نهر أوبانغي إلى بحيرة تشاد”. وضم رئيس النيجر (السابق) محمدو يوسوفو، صوته لنظيره التشادي، في ذات المؤتمر، ووجه الدعوة “لشركائنا وأصدقائنا لينصتوا لصيحات قلوب سكان الدول المطلة على بحيرة تشاد، من أجل مد يد العون للملايين من الأشخاص اليائسين، من خلال المساهمة في تمويل خطة الإنقاذ هذه”. وخطة إنقاذ بحيرة تشاد من النضوب، والتي تبنتها نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر في ٢٠٠٨، تهدف إلى تجريف نهر شاري- لوغون، الذي يمثل أكبر مصدر لمياه البحيرة. وينبع نهر شاري من جمهورية إفريقيا الوسطى ويصل إلى العاصمة التشادية نجامينا، حيث يلتقي بنهر “لوغون”، والذي يشكل حدوداً طبيعية بين تشاد والكاميرون، ويعبر النهر الحدود بين البلدين ليصب في بحيرة تشاد. والخيار الثاني أن يتم نقل جزء من مياه نهر أوبانغي (أكبر رافد لنهر الكونغو) والذي يشكّل الحدود الطبيعية بين إفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية، والكونغو. وسيسمح تحويل المياه من نهر بانغي إلى بحير تشاد من توسيع مساحتها من نحو ألفين كلم مربع ٥.٥آلاف كلم مربع، ما يسمح برفع مستوى البحيرة مترا واحدا، بعدما انخفض ٤ أمتار منذ ١٩٦٢.ومن المتوقع، أن يقع التوسيع في مساحة البحيرة بحوالي ٥ آلاف و٥٠٠ كم مربّع، من خلال نقل المياه من حوض نهر الكونغو عبر نهر “أوبانغي” باتجاه حوض بحيرة تشاد، بما يسمح برفع مستوى المياه بالبحيرة بحوالي متر واحد في الحوض الجنوبي ومثله في الحوض الشمالي، بحسب البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للجنة حوض بحيرة تشاد. وعدم الإسراع في إنقاذ بحيرة تشاد، قد يؤدي إلى اندثارها قبل ٢٠٣٠، وستلقى نفس بحر آرال في آسيا، الذي أصبح خبرا بعد عين. لكن مخاطر اختفاء بحيرة تشاد على المنطقة والعالم ستكون كبيرة، إذ من شأن ذلك أن يؤدي إلى مجاعة في المنطقة، لعدم قدرة السكان على توفير مياه الشرب لهم ولمواشيهم وري مزروعاتهم، وفقدانهم لأمنهم الغذائي. حينها ستتضاعف الجريمة والعنف بين المجتمعات المحلية على الموارد الشحيحة، وستجند الجماعات الإرهابية آلافا من المعدمين واليائسين، وستنفق الكثير من الأموال على ميزانيات الدفاع بدل التنمية. حتى أوروبا ستتضرر من اختفاء بحيرة تشاد، لأن ملايين الناس الذين فقدوا مصادر عيشهم سيحاولون الهجرة إلى القارة العجوز بحثا عن أمل. دول المنطقة ستجد نفسها حينها في نزاع لإعادة رسم الحدود على أنقاض “البحيرة المنقرضة”، ما قد يعمق مأساة هذه المنطقة، التي ستتغير تركيبتها البشرية بفعل النزوح والهجرة. فإذا كان إنقاذ بحيرة تشاد يكلف العالم اليوم ٥٠ مليار دولار، فإن الأزمات الأمنية والإنسانية التي ستنتج عن اختفاء بحيرة تشاد، لن تقدر بثمن.