عايدة حسيني

– تلعب الحرف في لبنان دوراً اقتصادیاً وثقافیاً بارزاً وتش َكل منفساً معیشیاً لآلاف المواطنین، إلا أن بعضھا مھدّد بالزوال بسبب سوء التنظیم والإھمال في السیاسات العامة وعوامل أخرى إضافة إلى غیاب قانون واضح ینظم العمل والتسویق مما یفقدھا دورھا الاقتصادي والثقافي.
جاء ذلك في دراسة أعدّتھا جمعیة “نحن” حول واقع قطاع الحرف في لبنان وسبل إنقاذه وتطویره، لا سیما في ظل الواقع الاقتصادي في البلاد. شارك في إعداد الدراسة خبراء اقتصادیین ومخت ّصین في السیاسات العامة والحرف.
في البدایة أجرت جمعیة نحن دراسة اقتصادیة واجتماعیة لفھم واقع قطاع الحرف في لبنان، قامت بإعدادھا الدكتورة فرح مكي. كما قام الدكتور علي مراد بإجراء دراسة مقارنة بین لبنان وبلدان عربیة عملت على تطویر قطاع الحرف لدیھا على اعتبار أنھ جزء من الاقتصاد الوطني مثل المغرب وتونس وغیرھا من البلدان. كذلك استعانت جمعیة نحن بشركة متخصصة بالدراسات الاقتصادیة للقیام بدراسة حول القیمة الاقتصادیة الحالیة لقطاع الحرف والنتائج المتوقع الوصول إلیھا في حال جرى الاھتمام بھذا القطاع ومقدار مساھمتھ في الاقتصاد اللبناني. نتیجة لذلك، توصلت الجمعیة إلى صیاغة “ورقة السیاسات العامة” التي قام بتطویرھا الدكتور علي مراد والدكتور كنج حمادة. وقد ت ّم عرض نتائج ھذه الدراسة ومناقشتھا في مؤتمر أمل إتباعھا بخطوات من أجل تطبیقھا وتبنیھا من قبل السلطات المعنیة تضمنَت الدراسة مسحاً شاملا لعدد من الحرفیین في لبنان، والقیمة الاقتصادیة لقطاع الحرف في لبنان الذي قٌدّر عام ٢٠١٩ بنحو ٢٨.٥ ملیار لیرة لبنانیة، إضافة إلى تص ّور حول دور السیاسات العامة في تطویر ھذا القطاع. وجاءت ھذه الدّراسة لتب ّین غیاب تعریف واضح لقطاع الحرف أو الأشخاص العاملین فیھ في القانون اللبناني. كما أضاءت على معاناة الحرفیین من المنافسة الاقتصادیة وحالة الجمود في ھذا المجال، وأشارت الدراسة الى أ ّن عددا كبیرا من الحرفیین لایقومون بتوریث مھنتھم لأولادھم أو بتعلیمھا لأشخاص آخرین، الأمر الذي یھدد باختفائھا مع مرور الزمن. یأتي ذلك كلھ مع معاناة معظم الحرفیین من ارتفاع كلفة المواد الأولیة لمنتجاتھم في ظل غیاب ما یعرف ب”سلسلة الإنتاج” في لبنان، وذلك بسبب الاعتماد على الاستیراد نتیجة انخفاض كلفتھ امام الانتاج المحلي. إضافة إلى معاناتھم من عدم وجود ما یعرف بـ”شھادة منشأ” للمنتج أي عدم امكانیة تسجیلھ على اعتبار أنھ “صنع في لبنان” وبالتالي عدم إمكانیة تصدیره إلى الخارج.
المؤتمر:
– نقیب الحرفیین أ. حسن وھبي: في البدایة تحدث نقیب الحرفیین الأستاذ حسن وھبي عن واقع قطاع الحرف في لبنان. وعرض المشاكل التي یعاني منھا ھذا القطاع بالدرجة الأولى وأعطى مثالاً مجال الزجاجیات الذي أصبح محصوراً بشخص واحد فقط في كل لبنان لا سیما أ ّن ھذه الحرف تشھد مضاربة خارجیة خصوصاً من الصین. كما أدلى النقیب بمجموعة من الخطوات التي قد تسھم في تحسین أوضاع الحرفیین في لبنان وفي مقدمتھا ال ّسماح لھم بالانتساب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الاختیاري، السعي إلى إیجاد أسواق خارج لبنان من أجل تسویق منتجاتھم، تأمین معارض خاصة لھم دون أن یترتب علیھم تكالیف باھظة سوا ًء ضمن أنشطة تابعة لوزارة السیاحة أو وزارة الثقافة. وأخیراً، تأمین البطاقة التموینیة لكل حرفي منتسب للنقابة. ولفت النقیب إلى أن وزارة الصناعة كانت قد أعطت النقابة صالة جعلت منھا مقراً لھا وصالة أخرى تصلح لأن تكون مركز تدریب، سبق أن أجرت فیھ النقابة عدداً من الدورات التدریبیة. والآن تسعى النقابة الى تأمین المعدات اللازمة للتدریب حتى لا یضطر كل راغب في المشاركة إلى إحضار معدّاتھ معه.
كذلك تأمل النقابة، بالتعاون مع وزارة الثقافة أو التربیة، من التمكن من إعطاء شھادة مصدقة إلى كل متدرب یشارك في الورش التدریبیة التي تجریھا النقابة، تؤھلھ بموجبھا المباشرة بالعمل الاحترافي. وختم مؤكداً أن المجلس التنفیذي للنقابة لا یوفر جھداً في تأمین الدعم اللازم للحرفیین في كل ما یحتاجون إلیه
– الدكتورة غنى طبش: ً ثم تحدثت الدكتورة غنى طبش حول القیمة الاقتصادیة للحرف في لبنان . وقالت أن ھذه الدّراسة تسعى”إلى بناء مؤشر القطاع الحرف ّي اللبناني حول ِكلا المنظورین الثقافي والاقتصادي لتوفیر أداة شاملة وقابلة للقیاس لتحدید مساھمة القطاع الحرف ّي في الاقتصاد والمجتمع”. ُ ورأت أ ّن “من المساھمات المھمة لھذه الدراسة أی ًضا عملیة المسح التي أطلقت وأدّت إلى تحدیث قوائم الحرفیین وقاعدة البیانات على المستوى الوطني”.
وختمت معتبرةً:”أ ّن العمل الحرف ّي لا یُبرز تقالید البلدان وثقافتھا وحسب، بل یضفي على الأوطان ھویة، وح ّس انتماء، كما یوفّر لھا مداخیل مال ّیة”.
– الدكتور علي مراد: ثم قدم الدكتور علي مراد مداخلة تحدث خلالھا عن ورقة السیاسات العامة المقترحة حول قطاع الحرف ذات الطابع الإبداعي والتراثي في لبنان وھي تتناول السیاق العام لتط ّور قطاع الحرف على مستوى العالم وعلى مستوى لبنان ومن ثم الرؤیة العامة لھذه الدراسة التي تركز على مجموعة من التحدیات القانونیة والإداریة في سبیل تطویر القطاع . وأضاف أ ّن ھناك تحدّ یتمثل في تعریف وتبیان مفھوم القطاع الحرفي في لبنان وقد طرحت الدراسة مجموعة من الأسئلة البحثیة حول أھم ملامح السیاسات العامة في لبنان للصناعات الیدویة وكیف تطورت ومن ھم أبرز الفاعلین الرسمیین وغیر الرسمیین واقترحت إیجاد الحلول. واعتبرأنھ:”بالنسبةللتعریفوعلىالرغممنكلالجھودالتيبُذلت،لمیستطعأحدأنیضعتعریفًاواضًحافيھذاالمجال، وأ ّن التعریف الذي تعتمده وزارة الشؤون الاجتماعیة تربطھ بالفئات المھ ّمشة وبحالة نمطیة من الحرف الیدویة، وھو خیار یعرقل تطور ھذا القطاع. وبھذا المعنى وفي ظل الالتباسات حول مصطلح “حرف”، تجد الورقة ضرورة في عدم الاكتفاء بھذا المصطلح والذھاب الى تحدید أوسع من خلال اعتماد مصطلح “قطاع الحرف ذات الطابع التراثي والإبداعي”، أي كل الأنشطة الحرفیة التي تمثل منت ًجا یتمیز بطابعھ التراثي ویرتكز بشكل أساسي على المھارات الیدویة في معظم مراحل إنتاجھ عبر تحویل المواد الأولیة الى منتج نھائي أو غیر نھائي یحمل طابعا فنیاً إبداعیاً، مع ارتباطھ اجتماعیاً وثقافیاً بمكان الإنتاج أو مكان إقامة العاملین في القطاع، في الریف أو في المدینة”.
كما لفت الدكتور مراد إلى أھمیة تطبیق نقطتین أساسیتین في الدراسة: الأولى ھي خلق السجل الحرفي لما لھ من أھمیة في رعایة القطاع وتطویره والثانیة ھي رفع الكفاءة لدى الحرفیین وتسھیل الوصول إلى الضمانات الصحیة والاجتماعیة. وختم بأن” ھذه الدراسة تقترح تأسیس ھیئة الوطنیة للصناعات الحرفیة على أن تكون ھیئة مستقلة تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعیة وینضم إلیھا باقي الوزارات والفاعلین والنقابیین وتكون ھي المولجة بالقیام بمجمل الدراسات والخطط المتعلقة بھذا القطاع. وقد تمت مناقشة ورقة السیاسات العامة مع الحاضرین .