عبد الحكيم محمود


– في ستينيات القرن العشرين، بدأ التعريف الجيوفيزيائي في الظهور، وذلك عندما بدأ الاهتمام باستكشاف النظام الشمسي، مما تسبب في حدوث انقسام بين علماء الفلك.
قدم مجموعة من علماء الفلك، بقيادة عالم الكواكب فيليب ميتسجر من جامعة فلوريدا الوسطى University of Central Florida، ورقة جديدة انتقدوا فيها التعريفات والمعايير التي اعتمدها الاتحاد الفلكي الدولي (IAU)، في مؤتمر كان عقده في العاصمة التشيكية براغ في أغسطس/آب ٢٠٠٦، وتم التصويت فيه على عدة قرارات تتعلق بتعريف جديد للكوكب، وبموجبه تم استبعاد كوكب بلوتو من المجموعة الشمسية. وقد وجدت الورقة الجديدة التي نشرت في دورية إيكاروس Icarus، المتخصصة في علوم الكواكب، أن تلك المعايير لا تستند إلى العلم، ووصفتها بأنها اعتمدت على الفولكلور وعلم التنجيم. ووفقا لتقرير نشره موقع “ساينس ألرت” science (alert يقول العلماء إنه يجب علينا إعادة التفكير في الأقمار على أنها كواكب، وإعادة بلوتو إلى وضعه الأصلي.

تعريف صارم

كان الاتحاد الفلكي الدولي قد اعتمد تعريفا صارما للغاية لكلمة “كوكب” ووفقا لذلك التعريف، الذي تمت صياغته وتعديله والاتفاق عليه، فإن الجسم الفلكي هو كوكب رسميا إذا كان يدور حول الشمس، وله كتلة كافية ليكون كرويا، وقد تخلص من الأجسام المجاورة لمداره. وفي ظل تلك القيود التي تم الاتفاق عليها، فإنه يمكن اعتبار ٨ أجسام فقط في النظام الشمسي كواكب وهي: عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون.
أخرج هذا التعريف بلوتو بشكل نهائي من المجموعة الشمسية التي كان عضوا فيها منذ اكتشافه عام ١٩٣٠ كأصغر كواكب المجموعة، وهي خطوة أثبتت، على الأقل، أنها مثيرة للجدل للغاية، حيث دعا العديد من العلماء حينها إلى إعادة تعريف أكثر شمولا يعتمد فقط على الخصائص الفيزيائية للجسم المعني.

إلغاء المعيار الثالث

وقد حث عالم الكواكب ميتسجر الباحثين على إلغاء المعيار الثالث من معايير تعريف الاتحاد الفلكي الدولي للكوكب عام ٢٠٠٦، والذي ينص على ألا تكون هناك أجرام سماوية تتأثر بجاذبية الكوكب سوى الأقمار التابعة له، وكذا تبسيط تعريف الكوكب، واعتبار أنه الجسم النشط جيولوجيا أو كان نشطا.وانطلاقا من ذلك، ترى الورقة الجديدة أن ذلك الاجراء سيكون من شأنه أن يضع العديد من أجسام النظام الشمسي في فئة الكواكب، بما في ذلك قمر الأرض والعديد من الأقمار الأخرى، والكواكب القزمة وحتى الكويكبات، وهي نتيجة تم استخدامها سابقا حجة ضد توسيع التعريف.يقول الباحثون، الذين يقفون وراء الدراسة الجديدة في البيان الصحفي الصادر عن جامعة فلوريدا الوسطى، إن حقيقة أن هذه الأجسام متشابهة بما يكفي، بحيث يمكن تجميعها معا، تعتبر سببا مقنعا لضرورة أن تكون كذلك.وفي هذا السياق، يرى ميتسجر ذلك التعريف أشبه بتعريف الثدييات، ويقول بهذا الصدد “إنه مثل تعريف الثدييات، فهي إن كانت تعيش على الأرض أو في البحر، يجب ألا يتعلق الأمر بموقعها، وانما يجب أن يتعلق بالخصائص الجوهرية التي تجعلها على ما هي عليه”

مراجعة الأدبيات العلمية

كان الفريق قد أجرى على مدى ٥سنوات مراجعة متعمقة لآخر ٤٠٠ عام من المؤلفات العلمية حول الكواكب، ووجدوا أن التعريف الذي وضعه غاليليو في ثلاثينيات القرن الـ ١٦ قد تلاشى تدريجيًا بمرور الوقت. إذ جادل غاليليو حينها بأن الكواكب أجسام مكونة من عناصر تتغير بمرور الوقت، تماما مثل الأرض، أو كما يفسرها الباحثون بأنها نشطة جيولوجيا، كما يستشهدون بحجة غاليليو بأن الكواكب تعكس ضوء الشمس، بدلا من إنتاج الضوء الخاص بها. وأشار الباحثون إلى أن هذا التعريف كان قيد الاستخدام حتى القرن العشرين، عندما تم اكتشاف بلوتو عام ١٩٣٠، وصنف على أنه كوكب. ولكن بين عامي ١٩١٠ و١٩٥٠ ، وجد الباحثون أنه لم يعد هناك اهتمام بعلوم الكواكب، على الأقل فيما يتعلق بالأدبيات الخاصة بتعريف الكواكب، إذ تضاءلت عدد الأوراق المنشورة في ذلك الوقت. يقول ميتسجر “لقد أظهرنا من خلال القياسات الببليومترية Bibliometrics، وهي القياسات التي تتعلق بالأدبيات العلمية من حيث الفهرسة والتصنيف والاستخدام والسياقات والتأثير …إلخ، أنه كانت هناك فترة من الإهمال لم يكن علماء الفلك يولون فيها نفس القدر من الاهتمام للكواكب، وخلال تلك الفترة، توقف انتقال التصنيف البراغماتي pragmatic taxonomy الذي جاء به غاليليو”. كما أدى ذلك إلى ترسيخ مفهوم أن الكواكب هي فقط أكبر الأجسام التي تدور حول الشمس، وأي شيء آخر، مثل الأقمار والكويكبات، لم يكن ضمنها. يقول ميتسجر “قد يبدو هذا تغييرا بسيطا، لكنه قوض الفكرة المركزية حول الكواكب التي انتقلت من غاليليو، حيث لم تعد الكواكب تُعرّف بحكم كونها معقدة، ونشطة جيولوجيا، وبدلاً من ذلك، تم تعريفها بحكم كونها بسيطة، واتباع مسارات مثالية معينة حول الشمس”. ولكن في ستينيات القرن العشرين، بدأ التعريف الجيوفيزيائي في الظهور، وذلك عندما بدأ الاهتمام باستكشاف النظام الشمسي، مما تسبب في حدوث انقسام بين علماء الفلك، وقد سعى تعريف الاتحاد الفلكي الدولي عام ٢٠٠٦ إلى وضع حد للجدل، لكن من الواضح أن هذا لم يحدث. يقول ميتسجر “عندما اقترح غاليليو تعريف الكواكب بأنها تلك التي تدور حول الشمس، فقد أدى ذلك لوضعه رهن الإقامة الجبرية لبقية حياته، وبالتالي فإن ما نحاول القيام به، بمعنى ما، هو إخراج غاليليو من السجن مرة أخرى، بحيث تكون رؤيته العميقة واضحة تماما”.