عايدة حسيني

– عقدت مؤسسة الفكر العربي، بالتعاون مع رابطة جامعات لبنان وجامعة القديس يوسف في بيروت، ندوة حول الكتابين اللذين أصدرتهما حديثا باللغتين العربية والإنجليزية “العرب وتحديات التحول نحو المعرفة والابتكار”، empowering knowledge and innovation: challenges for the arab countries ، لمؤلفيهما الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة والمستشار المختص بدراسة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والتنمية المستدامة الدكتور عمر البزري.

حضر حفل إطلاق الكتابين الذي أقيم في جامعة القديس يوسف في بيروت، وزير التربية والتعليم العالي الدكتور عباس الحلبي، ورئيس جامعة القديس يوسف رئيس رابطة جامعات لبنان البروفسور سليم دكاش اليسوعي، ومديرة مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية كوستانزا فارينا، ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) منير تابت، والمدير العام لمؤسسة الفكر العربي البروفسور هنري العويط وشخصيات أكاديمية وثقافية وتربوية دكاش
استهل الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقى البروفسور سليم دكاش كلمة أكد فيها أن “الإصدار الجديد ليس كغيره من الكتب، فهو صادر عن مؤسسة الفكر العربي المعروفة بتقاريرها السنوية عن التنمية الثقافية العربية، وهو موسوعة مرجعية في مجالات البحث العلمي، ومكتوب بقلم مفكرين بارزين ومبدعين”.


وألقى البروفسور هنري العويط كلمة، أكد فيها “أهمية الكتابين اللذين يستكملان المبادرات التي دأبت مؤسسة الفكر العربي على إطلاقها في مضمار البحث العلمي وأنشطة التكنولوجيا والابتكار”. وذكر أن “أول ما يسترعي الانتباه في الكتابين هو طابعهما الشمولي، الذي يتجلى على الصعيد الجغرافي، فهما يغطيان المنطقة العربية كلها، كما على صعيد المحتوى، فالكتاب في نسخته العربية مثلا، يشتمل على ١٥٣ محورا، يحيط عبرها إحاطة تامة بمجمل ملفات البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار”. وأكد أننا “جميعنا معنيون بهذين الكتابين، وجميعنا مسؤولون عن تجسيد تطلعاتهما ورؤاهما على أرض الواقع”، لافتا إلى أن الكتابين يرسمان خريطة طريق واضحة المعالم نحو بناء مجتمع المعرفة والابتكار، من أجل تحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة”.

ونوهت كوستانزا فارينا بتضمين الكتابين”حيزا لوسائل الإعلام العلمية، ودورها “الأخلاقي” في تعزيز العلم ونشر المعلومات الصحيحة”. ودعت إلى “تضافر الجهود لضمان حصول الجميع على تعليم جيد، وبناء القدرات والمهارات، واستخدام التكنولوجيا لنشر المعلومات”.
وتحدث منير تابت عن العلاقة الوثيقة بين المعرفة والتنمية، مركزا على “أربع نقاط مهمة هي: القيمة المضافة، فكل ما يستحق الأهمية هو الذي يضيف قيمة معرفية، والشراكة الضرورية لإحراز التقدم، والجسر بين المعرفة والإنتاج أو صنع القرار، ودور الشباب في البحث العلمي والمعرفة”.
أما وزير التربية فقال: “أحسب أن مؤسسة الفكر العربي بقيادة مديرها العام قد قررت مفاجأتنا برعاية صدور هذا المؤلف في هذا الوقت بالذات وهي التي كان عنوان تقريرها العاشر للتنمية الثقافية قبل انتشار الجائحة ووقف كل النشاطات “الإبتكار أو الإندثار”. كما أرادت تذكيرنا بأن علينا تحدي الجهالة التي ترى بعض عالمنا العربي واقعا فيها، فعوض توفير سبل المعرفة لمواجهة تحدي الإبتكار والإندثار، نرى أن قوانا تنصرف إلى نسج الفتن والقلاقل وتضييع الإمكانيات وهي ليست بكثيرة في غير مصلحة النماء والإزدهار. تستفزنا المؤسسة لتقول لهذه الأوطان إن لا طريق ثالثا وأنتم لاهون متلهون عن المساهمة في تقدم البحث العلمي والتكنولوجيا لا بل متعلقون أكثر في القديم الذي سقط ومهملون الجديد الذي لا يتحقق”.
وإذ بنا في لبنان بلد العلم والمعرفة، بلد التربية والجامعات، بلد المستشفيات والعلوم المتقدمة نغوص في متاهات الذل وراء تأمين أبسط مقومات العيش وأكثرية الناس تئن من ثقل الأزمات ولا من يديرها. وكأن ما يعانيه الناس في ذلهم اليومي هو قدر من كفر بجمال الطبيعة فانتهكها، ومن تولى بعض شؤون الحكم فأهدر إمكانيات الدولة وعند حلول الآجال استعجل بإعلان الإفلاس. هذا البلد المنكوب الذي تغنى به الشعراء حتى بلغوا العالمية وأعجب بجماله العرب وعاملوه كواحة في صحراء بعض تفكيرهم معاملة الرأفة والعناية فكفر بالنعم حتى انعزل. أهذا هو لبنان الرسالة؟ لم نعد نعرفه”.يقيني أن أحد التحديات التي نخوضها يتجلى في هذا اللقاء الذي يجمعنا اليوم لمناقشة منتج علمي بحثي فكري يتناول التحديات التي تواجهها الشعوب العربية في التحول نحو المعرفة والإبتكار، ونحن في زمن الإرباكات الكبرى على الصعيد العربي وخصوصا على الصعيد اللبناني – العربي، حيث نعيش في وطن تتدنى فيه القدرة على الإنقاذ بسرعة جنونية، وكأننا نتعرى من تاريخنا الذي قام على تمايزنا الإبداعي وعلاقاتنا العربية والدولية”.
“في هذ الجو من شبه الإنسداد على كل صعيد، نجد فسحة مضيئة في جامعة القديس يوسف العريقة وهي جامعتي التي أفخر بها وبانتمائي إليها والتي لم أبارحها، لإطلاق كتاب أعده باحثان يتحليان بالقيمة الفكرية والعمق التحليلي والإنتاجية المتمايزة، هما الدكتور معين حمزة والدكتور عمر البزري، وتولت إصداره مؤسسة الفكر العربي الرصينة والعريقة، والتي أوجه بهذه المناسبة إلى حضرة رئيسها سمو الأمير خالد الفيصل تحية حارة وشكرا جزيلا”.
“إن المتصفح لأبواب هذا الكتاب يتوقف عند شموله للمواضيع والتعمق في كل باب وتفصيل، فهو ليس تاريخا علميا فقط ولا جردة بحثية فقط، بل يصح فيه القول إنه مرجع بحثي تحليلي، نطلع من خلاله على التشخيص والواقع والنشاطات والأبحاث والتقارير، والمقاربات لدى الدول والمؤسسات العلمية والبحثية، والنتائج واستشراف المستقبل، وسلوك طريق البحث العلمي والتكنولوجيا والإبتكار في العالم العربي وإن كان غير متحقق بالكامل”.
“إذا نظرنا إلى هذا الكتاب القيم من خلال مسؤوليتنا التربوية وحرصنا على كل أنواع التعليم العام والمهني والتقني والجامعي التخصصي والبحثي، نجد فيه دروسا ونتائج بحوث والكثير من التوجهات التي يجب أن نأخذها في الإعتبار، لا سيما وأننا في لبنان وفي العديد من الدول العربية، نعاني أمراضا إجتماعية وثقافات اجتماعية موروثة، لجهة المهن التي نختارها أو نوصي أبناءنا باختيارها. وقد أسهمت هذه الخيارات في بناء أجيال تدرس ولا تصنع المعرفة، وفي تأسيس عدد من الجامعات التي تقوم بالتعليم على غرار المدرسة ولكنها لا تسهم في الجهود البحثية، وهذه العملية ليست ثقافة إجتماعية فحسب بل هي قرار سياسي ينتج عنه توفير التمويل لإنجاز البحوث واستثمار نتائجها”.
أما في استخدامات التكنولوجيا، وتطوير الإقتصاد القائم على التكنولوجيا في كل جوانب الحياة، فإن هذا الكتاب البحثي التوثيقي يسلط الضوء على بقع مضيئة في العديد من الدول العربية، ويظهر سلوك نهج علمي فرضه الواقع الإقتصادي وسرعة الحياة، وأسهمت جائحة كورونا في إرساء تصرفات وسلوكيات قائمة على التعليم من بعد والعمل من بعد، والتسويق والتجارة الإلكترونية، ولو كان ذلك بصورة غير متكافئة لكنها جاءت نتيجة أمر واقع يستدعي التكيف معه. وفي هذا الإطار، تستوقفنا الشركات الناشئة وإنتاج البرمجيات عبر الحاضنات التكنولوجية. وهي ظاهرة جيدة، يجب دعمها وتعزيزها وتسهيل إنشاء الشركات والحاضنات واستثمار نتاجها”.وأردف: “لقد توقفت مليا عند موضوع تزايد مؤسسات التعليم العالي، وتتجير التعليم العالي بجعله سلعة تجارية ربحية بما يجعلنا نتحرك ونتعاون مع المخلصين من المؤسسات الجامعية التي بنت لنفسها سمعة أكاديمية وبحثية لكي ننقذ صورة التعليم العالي التي اهتزت في الداخل وتجاه الخارج، واصاب الأثر السيىء المؤسسات المرموقة بصورة يمكن ان تنسف ما بنيناه لقرون وحملناه مشعلا أضاء امامنا سبل العمل والعيش والتنمية التي خضنا ريادتها في المنطقة. وكانت ميزتنا التفاضلية. إننا في حاجة إلى رسم استراتيجية للتعليم العالي كجزء أساسي من الإستراتيجية التربوية التي نزمع وضعها من أجل مستقبل القطاع ومستقبل لبنان”.
وقال الحلبي: “إن الحرص على سمعة شهاداتنا وجامعاتنا هو مسؤولية وطنية لن نفرط بها مهما كلف الثمن، وإن ما أثير مؤخرا بخصوص الطلبة العراقيين هو موضوع بعنايتي الشخصية وبتنسيق تام مع معالي وزير التعليم العالي في العراق الشقيق. إن التلكؤ عن مساءلة المخطىء وفتح باب التراخيص على مصراعيه وانعدام الرقابة الأكاديمية والفراغ في مؤسسات الدولة والتعطيل في مرافقها وإيكال المسؤوليات الإدارية على جميع مستوياتها بالتكليف والشغور وقلة التدبير، وأحيانا إساءة الأمانة، كلها تؤدي إلى ما نعاني منه اليوم والفلتان من تلوث السمعة. ولكن بالمقابل سننتهزها فرصة للاستفادة من هذه التراكمات وبالفعل”.
تستدعي هذه الأزمة وضع التعليم العالي على طاولة التشريح والتقويم وإرساء قواعد الجودة واحترام القانون، وعدم التهاون في كل ما يضرب قطاعا كان على مدى قرن ونصف مدعاة افتخار للبنان في المنطقة والإقليم وفي العالم، فأصبح مدعاة للسخرية والإشمئزاز، وهذا ما يدفعنا إلى تسريع إقرار إنشاء الهيئة الوطنية المستقلة لنظام الجودة، فضلا عن إصدار القرار بتشكيل مجلس التعليم العالي المدعو إلى الإجتماع في 30 الجاري، كما إعادة تشكيل اللجنة الفنية لبت الطلبات والوقوف على مستوى الأداء في الجامعات في كافة الإختصاصات”.
“بين ايدينا وسائل عديدة متاحة سندا لأحكام قانون تنظيم التعليم العالي الخاص، والأهم هو المبادرة إلى وقف التدهور، والمباشرة بوضع الأمور في نصابها هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نتابع مع اللجان في المجلس النيابي لإقرار قانون إنشاء الهيئة الوطنية لضمان الجودة، ونأمل توسيع إطاره ليشمل التعليم العام ما قبل الجامعي والتعليم المهني والتقني، مما يحفز المؤسسات على المستويات كافة على التميز والجودة”.
أود أن أشير إلى أن كل ما نصبو إليه من تطور في العالم العربي، ينطلق من إعداد الموارد البشرية اللازمة، وهذه الموارد تخرج من المدرسة والمهنية والجامعة، وتصقل خبراتها في سوق العمل، ولكن عدم توفير أسباب الحياة الكريمة وحرية النشر والتعبير، للكوادر البشرية المتميزة يجعلها تهاجر إلى حيث تجد تقديرا وحياة وحريات. وإننا في لبنان ومن موقعنا في الوزارة، نشهد نزيفا حادا بين أساتذة الجامعات والمدارس يصل إلى حدود معلمات الروضة، وقد خسرت المؤسسات التكنولوجية والطبية والجامعية والمدرسية كما خسر سوق العمل، أفضل الكوادر. فما بالكم بالباحثين الذين يجدون في الدول التي تستثمر في الأدمغة المكان المناسب اللائق بموهبتها”.
عذرا يا دكتور معين ويا دكتور عمر، ابتعدت قليلا عن كتابكما الذي أوحى لي إطلاق هذا الموقف بمناسبته. فما وجدته من رصانة علمية وجدية عملية وعنايتكما بالبحث العلمي وتوجيه الشباب إليه بما يسهم في تحقيق التنمية العلمية والوطنية الشاملة ورعاية المتفوقين يا دكتور معين، الذين لك محطة سنوية معهم لتكريمهم وتشجيعهم وتأمين المنح الجامعية لهم لسلوك دروب الحياة والنجاح. وإنني سأعمل على الإستفادة من هذا المؤلف في موقعي كوزير للتربية والتعليم العالي بحيث تصبح مؤسسات التعليم العالي أمكنة لتوليد العمل المجدي من خلال ريادة الجامعات ونظرتها الإستباقية إلى سوق العمل والتوقعات التي تستدعي إيجاد تخصصات جديدة ومهن جديدة وتأهيل الطلاب لمستقبل متغير وسوق عمل مختلفة وإدخال التكنولوجيا الحديثة فيها ونحن على مشارف إطلاق ورشة تطوير المناهج الجديدة في المركز التربوي للبحوث والإنماء وانت لن تكون بعيدا عنها”.
وختم: “أنهي بتوجيه الشكر إلى جامعة القديس يوسف ورئيسها البروفسور الأب سليم دكاش على الإستضافة، والشكر موصول إلى حضرة المدير العام لمؤسسة الفكر العربي الدكتور هنري العويط على هذا الإنتاج. والتقدير والشكر الأكبر إلى الباحث الصديق الدكتور معين حمزة، والباحث الدكتور عمر البزري، وتحية محبة إلى الحضور الكريم الذي تنكب مشقة المجيء، للاحتفال بإطلاق هذا النتاج المتميز في هذه الظروف الصعبة”.
بعد ذلك جرى حوار ونقاش حول الكتابين مع المؤلفين الدكتور معين حمزة، والدكتور عمر البزري، فأوضح حمزة أن “الكتاب عالج عشرات المحاور المتكاملة، واعتمد منهج الوصول إلى رؤية استشرافية”، مستندا إلى المعطيات الرقمية الموثوقة والمحدثة، ومدى ملاءمتها للواقع”.
وركز البزري على التوصيات التي جاءت في الكتاب وأبرزها: “استنباط سياسات أكثر طموحا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، واعتماد قواعد أخلاقية صارمة، والتأسيس لثقافة معرفية من خلال التعليم والإعلام”.