عبد الحكيم محمود

– في دراسة نشرتها دورية ذا أستروفيزيكال جورنال ليترز the astrophysical journal letters، اقترح فريق علمي أميركي من عدة جامعات أن كتل كلا من الثقوب السوداء الكبيرة والصغيرة يمكن أن تنتج من مسار واحد، حيث تكتسب الثقوب السوداء كتلة من تمدد الكون نفسه.

وتأتي هذه الدراسة في سياق الدراسات التي يقوم بها العلماء بواسطة مراصد الموجات الثقالية (gravitational wave observatories)، التي تستكشف اندماج الثقوب السوداء، وذلك للتحقق من التنبؤ الرئيسي لنظرية الجاذبية لألبرت أينشتاين.
مراصد الموجات الثقالية
مراصد الموجات الثقالية هي عبارة عن مجموعة من التلسكوبات والأجهزة المصممة لقياس موجات الجاذبية، والتي تعرف بالتشوهات والاضطرابات في تقوس الزمكان النظري الناجم عن الكتل المتسارعة والتي تنتشر على شكل تموجات صغيرة، والتي تنبأت بها لأول مرة نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين في عام ١٩١٦.

وتضم مراصد الموجات الثقالية مجموعة من المراصد والأجهزة ومنها مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزريlaser interferometer gravitational wave observatory (ligo)، ومقياس التداخل فيرجو virgo interferometer.

الملاحظات الأولى
وبحسب البيان الصحفي فإنه ومنذ الملاحظة الأولى لدمج الثقوب السوداء بواسطة مرصد مقياس التداخل الليزري لموجات الجاذبية (ligo) في عام ٢٠١٥، تفاجأ علماء الفلك مرارا وتكرارا بالكتل الكبيرة لتلك الاندماجات. وعلى الرغم من أن تلك الكتل لا تصدر أي ضوء، إلا إن اندماجات الثقوب السوداء تُلاحظ من خلال بعثها لموجات الجاذبية.
وكان الفيزيائيون حينها قد توقعوا أن الثقوب السوداء سيكون لها كتل أقل بحوالي ٤٠ مرة من كتلة الشمس، لأن الثقوب السوداء المندمجة تنشأ من النجوم الضخمة، والتي لا يمكنها أن تتماسك إذا أصبحت كبيرة جدًا.
لكن مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري ومقياس التداخل فيرجو كانا قد رصدا العديد من الثقوب السوداء بكتل أكبر من ٥٠ شمس، وبعضها يصل حجمه إلى ١٠٠ شمس.ووفقا لهذه الملاحظات، فقد تم اقتراح العديد من سيناريوهات التكوين لإنتاج مثل هذه الثقوب السوداء الكبيرة، ولكن لم يفلح أي سيناريو منها في شرح تنوع اندماجات الثقوب السوداء التي لوحظت حتى الآن، ولا يوجد اتفاق حول أي مجموعة من سيناريوهات التكوين لنشأة مثل هذه الثقوب السوداء قابلة للتطبيق.
وتعد هذه الدراسة الجديدة، هي أول مؤشر على أن كتلة الثقب الأسود الكبير أو الصغير يمكن أن تأتي من مسار واحد، وأن الثقب الأسود يكتسب كتلة من توسع الكون نفسه.ظاهرة الاقتران الكوني
قال كيفن كروكر، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في جامعة هاواي في مانوا “يقوم الفلكيون عادة بنمذجة الثقوب السوداء داخل كون لا يمكن أن يتوسع، وهو افتراض يبسط معادلات أينشتاين”.
حيث إن الأحداث الفردية التي يلاحظها مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري ليجو ومقياس التداخل فيرجو في بضع ثوان فقط، بينما يمكن أن تكون عمليات الاندماج نفسها قد حدثت على مدى بلايين السنين. ويضيف كروكر أنه خلال الفترة الفاصلة بين تكوين زوج من الثقوب السوداء واندماجها في نهاية المطاف، ينمو الكون بشكل عميق.
وإذا تم أخذ الجوانب الأكثر دقة لنظرية أينشتاين بعين الاعتبار، فسيظهر احتمال مذهل، وهو يمكن أن كتل الثقوب السوداء يمكن أن تنمو بشكل وثيق مع الكون، وهي ظاهرة يسميها كروكر وفريقه الاقتران الكوني cosmological coupling.
التحقق من الفرضية
يقول دنكان فيراه الأستاذ بقسم الفيزياء وعلم الفلك في جامعة هاواي في مانوا، المؤلف المشارك للدراسة “لقد فكرنا في الاتجاه المعاكس، أي ما الذي تلاحظه المراصد الثقالية ليجو وفيرجو، عندما تقترن الثقوب السوداء كونيا وتكتسب الطاقة دون الحاجة إلى استهلاك نجوم أو غازات أخرى؟”.
للتحقق من الفرضية الجديدة، قام الباحثون بمحاكاة ولادة وحياة وموت آلاف الأزواج الضخمة من النجوم، أي أزواج من النجوم التي ماتت لتشكل ثقوبا سوداء تم ربطها بعد ذلك بحجم الكون، بدءا من وقت زوالها، ونظرا لاستمرار الكون في النمو، نمت كتل تلك الثقوب السوداء أثناء تصاعد بعضها تجاه بعض. ولم تكن النتيجة النهائية مجرد ثقوب سوداء ضخمة للغاية بعد اندماجها، ولكن أضيفت إليها العديد من الاندماجات.
وعندما قارن الباحثون البيانات التي تم الحصول عليها من مرصد التداخل الليزري ليجو ومقياس التداخل فيرجو مع توقعاتهم، توافقت بشكل جيد. أيضا لاحظ الباحثين أن هذا النموذج الجديد مهم لأنه لا يتطلب أي تغييرات في فهمنا الحالي لتشكيل النجوم أو تطورها أو موتها. ومع كل تلك الملاحظات والاستنتاجات، الا أن الباحثين قد أشاروا إلى أن لغز الثقوب السوداء الضخمة ما زال بعيدا عن الحل بشكل كامل.