د.عدنان منصور / البناء

– عندما نستعرض الدول في العالم التي شهد تاريخها فترات حرجة حاسمة، وأزمات حادة، وظروفاً استثنائية شكلت تهديداً لسيادتها واستقرارها، وطالت بالصميم الأمن المعيشي والاجتماعي لشعوبها، يصعب على المتتبّع للأوضاع اللبنانية الحالية، والظروف الخانقة القاتلة التي يعيشها اللبنانيون، أن يجد سلطة وحكاماً ومسؤولين، كالمسؤولين اللبنانيين الذين يديرون البلد. فهم يتعاطون مع مشاكله وأوضاعه الاستثنائية الصعبة، من خلال سلوك وأداء يتصف بالارتجال، والخفة، والاستهتار، واللامبالاة، وأحيانا بتعليقاتهم الكوميدية، من دون الاكتراث والأخذ على محمل الجدّ التداعيات الخطيرة التي ينتظرها اللبنانيون في المستقبل القريب، وكأنّ شيئاً عادياً يمرّ على البلاد.

سلوك المسؤول، وسلوك المواطن كلاهما على المحك، وتحت الاختبار. إذ إنه أمام المصائب والمحن التي تهدّد بالصميم سيادة الدولة، وأمنها، واستقرارها، ووحدة شعبها ومعيشته وحياته، يتبيّن مدى جدية الحكام، والمسؤولين، والمواطنين، للوقوف وقفة واحدة، لانتشال البلد من الانهيار الذي هو فيه، وصون سيادته الوطنية، ووحدة شعبه واستقراره،

لكن في لبنان وللأسف الشديد، ينقسم الحكام، والمسؤولون، والمواطنون، وينقسم معهم الوطن عمودياً، حيث لا مجال بعد ذلك للحوار والوفاق، والرأي والرأي الآخر. فالخصم السياسي، هو في الوقت ذاته عدو شخصي، ويجب قمعه بكلّ الوسائل، لأننا لا نتقبّل وجهة نظر الآخر، ولا النقد الذاتي، ولا الفكر المعارض بأي شكل من الأشكال، وإن كان يلامس الحقيقة إلى حد بعيد.

على رغم الأجواء القاتمة السوداء، وانهيار البلد بكل مؤسساته ومرافقه، وانكشاف الحقيقة المرة للدولة الفاشلة أمام العالم كله، نرى منصات الإعلام تطلق صواريخها العشوائية خبط عشواء، وفي كل الاتجاهات، لتصيب مقتلاً فكر المواطن، وتشوّه حقائق الأمور، وتلفق الأكاذيب، حتى لا يعود المواطن قادراً، على التمييز بين الصواب والخطأ، بين السيادة والهيمنة، والكرامة والذل، والوطنية والخيانة، والمسؤول النزيه والمسؤول الفاسد، بين المدافع عن الوطن، والمقامر به !

فلتان إعلامي من هنا، وتراشق قبيح مقيت على وسائل التواصل «اللاإجتماعي» من هناك، لم تعرف مجتمعات العالم مثيلاً له إلا في لبنان. كل مواطن فيه سياسي، ومنظر، ومفكر، وفيلسوف، ومخطط، واستراتيجي، وناقد، وموجه… سباب وشتائم، وتجريح، وتخوين، وتطاول بالشخصي وغير الشخصي.

مفردات وألفاظ مقززة تطال الكبير والصغير، تنال من المقامات والكرامات والأعراض، يلهثون وراء التفاهات، ناسين مصائبهم، وجوعهم، وذلهم وإحباطهم.

في زمن المحن والأزمات التي تعترض الدول، تتوحد الشعوب في ما بينها لمواجهة عدو الداخل والخارج، إلا في لبنان، حيث يتوحد اللبنانيون ضد بعضهم البعض، وترى فيهم من يتوحد مع الخارج ضدّ أبناء جلدتهم، ويتعاونون مع القوى الأجنبية، يؤلبونها على بلدهم، ويحثونها على اتخاذ إجراءات عقابية ضده، ويتجسّسون لصالح العدو ويكونون في خدمته في كلّ صغيرة وكبيرة.

أما المسؤولون فقد آثروا أن يروا البلد يحتضر ويتحلل أمام عيونهم، بدلاً من أن يتنازلوا ولو قليلاً عن عنجهيتهم وغرورهم، ويعترفوا بأدائهم العفن، ويقروا بفشلهم الذي أوصل لبنان إلى المأساة التي يعيشها أبناؤه اليوم.

في وطن الهرج والمرج، والعدالة المفقودة، حيث «الملك أساس العدل»، والإذلال، والاستزلام، والفقر، والقهر، والجوع والحرمان، يتأقلم المواطن اللبناني مع واقعه المر التعيس، راضياً بالذي هو فيه، مدافعاً بكل شراسة عمن أوصله إلى الحالة المزرية التي يعيشها، وباعه واشتراه واستعبده على مدى عقود، نكاية بنفسه وبالآخرين.

نريد أن نفهم في ظلّ أيّ قانون، وأيّ منطق، يجاهر مواطن علناً على شاشات التلفزة بعمالته للعدو، ويتباهى بالتواصل معه على رغم أنف الدولة والقانون، من دون أي رادع، أو عقاب!

في بلد الفلتان، والفوضى، والانهيار، تبدو الحكومة ورئيسها لا حول ولا قوة لها. عاجزة عن تعيين قاض، أو كفّ يده… عاجزة عن معالجة الأزمة المعيشية الخانقة، والانتقال من النظريات والتمنيات، إلى إيجاد الحلول وتطبيقها… عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام دول العالم لتطلب ودها وتنعم برضى الآخرين.

حكومة لا تعرف إذا كانت الانتخابات النيابية ستجرى أم لا! حكومة صنّفت نفسها للإنقاذ، تبحث في الخارج عمن ينقذها من المستنقع الذي هي فيه. حكومة كلّ من فيها يعزف على وتره خارجاً عن الأوركسترا، يغني على ليلاه، أياً كان الوتر وأياً كانت المعزوفة، وكان الغناء.

حكومة تعتكف ولا تجتمع… تشترط وهي غير قادرة على تنفيذ الشروط… حكومة تريد إرضاء الخارج قبل إرضاء الداخل… تقدّم أوراق اعتمادها للآخرين، وتعلم جيداً أنها غير مرحّب بها… حكومة لا تستطيع إلزام حاكم مصرفها المركزي على الإجابة على كلّ الأسئلة التي طلبتها وتتمسك بها شركة التدقيق المالي «ألفاريز ومارسال»، والتي بقيت من دون أن يستجيب الحاكم «العظيم»، حارس بيت المال!

حكومة لم يمرّ عليها شهران، استطاعت ان تحقق إنجازات سريعة في رفع الدعم عن السلع الحياتية الأساسية للمواطن، وهي تعلم أو لا تعلم، أنّ عدم إيجاد العلاج والحلول لتداعيات رفع الدعم، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى انفجار اجتماعي لا مناص منه.

يقولون إنّ الحكومة تحوّلت إلى حكومة تصريف أعمال. وهل هناك من أعمال حتى الآن لدى الحكومة لتصريفها، غير تفريغ جيب المواطن المسكين وتصريفه إلى خارج وطنه!

إنّ الحكومة، وأيّ حكومة، التي ليس لديها قرار وطني موحد، حيال أي ملف قضائي كان، أو سياسي أو اقتصادي، أو مالي، أو إداري، فإنها تفسح المجال أمام أيّ جهة خارجية للتدخل في شؤونها، والضغط عليها، والإمساك بها، وابتزازها وفرض الشروط عليها.

مع غياب القرار الشجاع، والمسؤولية الوطنية، والحاجة إلى قادة رجال، يحتضر الوطن أمام أعين الجميع، بعد أن كثر فيه المغامرون، والمقامرون، والمقاولون، والمتاجرون، وكلّ الورثة الأشقياء غير الشرعيين، الذين ينتظرون بفارغ صبر تشييعه إلى مثواه الأخير!

للرئيس نجيب ميقاتي نذكّره إن نفعت الذكرى، بحكمة لاتينية تقول: «إذا ساءت البداية، ساءت النهاية»!

وزير الخارجية والمغتربين الأسبق