أجرى اللقاء : عبد الحكيم محمود

– البروفيسور أبو بكر سالم باحاج عالم الطاقة والتغيرات المناخية وأستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة ساوث هامبتون بالمملكة المتحدة، ومؤسس برنامج البحث العلمي في مجال الطاقة المستدامة بجامعة ساوث هامبتون الرائدة بين الجامعات البريطانية في هذا المجال منذ 25 عاماَ.
يعمل البروفسور أبوبكر باحاج حالياً رئيساً لشعبة الطاقة والتغيرات المناخية بجامعة ساوث هامبتون، ورئيساً للمجموعات البحثية التي سميت باسم (مجموعة البحث في الطاقة المستدامة). وهو أيضا عضو ومراجع في مجالس العديد من الهيئات المانحة للأبحاث، بما فيها مجلس البحث في الهندسة والعلوم التطبيقية والمؤسسة الكندية للإبداع والتعليم العالي في إيرلندا ومجلس استراتيجيات البحث لدول الكومونويلث وقسم الأبحاث الإبداعية للمشروعات الصغيرة الزراعية في أمريكا والمؤسسة النيوزلندية لعلوم البحث والتقنية وكذلك الوكالة الدولية للطاقة في مجال طاقة المحيطات. وقد تم تعيينه كبير المستشارين لبلدية ساوث هامبتون في بريطانيا بالإضافة لعمله.
ويحتل البروفسور باحاج مرتبة مرموقة في سلم العمل البحثي في مجال الهندسة المدنية والبيئية حيث صنفت ٨٠ % من أبحاثه عام ٢٠٠٨م كأبحاث “رائدة عالميا” أو “ممتازة دوليا”.
للبرفسور با حاج العديد من الزمالات مع مؤسسات علمية وبحثية عالمية مرموقة، ومشاريع وبرامج علمية في عدد من بلدان العالم، فهو أستاذ زائر في جامعة شيان للهندسة المعمارية والتكنولوجيا (XAUAT)، في الصين منذ ٢٠١٧. وزمالة في مختبر أنجستروم وجامعة الهندسة في أوبسالا، في السويد (٢٠١١-٢٠١٥). وهو كذلك أستاذ زائر لأبحاث الطاقة في عدد من البلدان منها جامعة الملك عبد العزيز، في جدة بالمملكة العربية السعودية منذ ٢٠١٤.
في عام ٢٠١٢، تم تعيين البروفيسور باحاج كبير المستشارين العلميين لمجلس مدينة ساوث هامبتون – ويُعتقد أنه أول تعيين من نوعه في المملكة المتحدة، كما اختاره مجلس العلوم في المملكة المتحدة كواحد من أفضل ١٠٠ عالم ممارس في المملكة المتحدة وذلك في العام ٢٠١٤.
في السطور التالية نتعرف على بعض من ملامح التجربة والمسيرة العلمية للبرفسور أبوبكر سالم باحاج.
هل يمكن أن تعطينا صورة موجزة عن رحلتكم العلمية إلى جامعة ساوث هامتون؟
هذا سؤال جدير بالاهتمام في بداية حديثنا، حيث أن رغبتي في تعلم المزيد عن العالم بدأت مبكرا عندما كنت طفلا في قريتي في محافظة حضرموت بجنوب اليمن.
وقد جعلتني أسئلتي الفضولية المتزايدة التي كنت أسألها لأبي وأساتذتي في المدرسة أكثر حرصا على تعلم المزيد، ومن تلك الأسئلة التي كانت تشغلني وعلى سبيل المثال: كيف يعمل الراديو؟ لماذا نحتاج إلى بطاريات؟ لماذا تأتي مياه الشرب من تحت الأرض في البئر العميق المجاور لنا؟ لماذا يحدث فيضان حولنا رغم عدم هطول الأمطار؟ لماذا تحدث ظاهرة الشهب في السماء؟ كيف يحدث الليل والنهار؟… وغيرها من الأسئلة الكثير، والتي كانت حافزا ودافعا لي لمزيد من التعلم والدراسة التي لازمتني حتى أكملت الدراسة الثانوية في مدينة عدن عاصمة جنوب اليمن حينها، حيث التحقت في الدراسة الابتدائية في مدارس تدرس باللغة الإنجليزية وهي مدارس تُعرف باسم مدارس البادري.
بعد اكمالي لمرحلة الثانوية في المعهد الفني في عدن وهو معهد كان يمنح الخريجين شهادة الثقافة العامة British General Culture Certificate (GCE)، كنت اطمح للدراسة الجامعية، ولكن لم تكن في عدن حينها أي جامعة من الجامعات، وبالتالي كان لابد من السفر إلى خارج اليمن للدراسة الجامعية، وقد قع اختياري على الدراسة في المملكة المتحدة، لاسيما وأني كنت من خريجي المعهد الفني ولدي شهادة الثقافة العامة، التي تؤهلني للدراسة في المملكة المتحدة.
في البداية بدأت بالدراسة في لندن لعامين متتاليين وانتهت بانتقالي إلى جامعة ساوث هامبتون في جنوب المملكة المتحدة وذلك لصعوبة الاستمرار في مدينة كبيرة مثل لندن بها الكثير من عوامل التشتيت. بعد انتهائي من الدراسة الجامعية في الجامعة، عُرض عليّ اكمال الدراسات العليا حتى الدكتوراه في نفس الجامعة بقسم الإلكترونيات وعلوم الحاسب. وبعد حصولي على درجة الدكتوراه عُرضت علي وظيفة باحث في تطبيقات المجالات الكهرومغناطيسية العالية المستخدمة في مجالات الفصل، وقد عملت فيها لمدة ثمان سنوات، ولكنني في هذه الفترة كنت أبحث عن فرصة أخرى لإثبات ريادتي العلمية في مجال علمي مناسب.
وفي هذه الفترة لاحظت أنه لا يوجد بحث علمي في مجال الطاقة في الجامعة، وخاصة الطاقة المتجددة، وهذا وفر لي المسار المناسب للبدء في تطوير الخبرات العلمية والهندسية بهدف تأسيس مجموعة بحثية في الجامعة.
وقد قمت بتأسيس مجموعة ابحاث الطاقة المستدامة بجامعة ساوث هامبتون في بداية التسعينات
(www.energy.soton.ac.uk SERG,) وأمنت لها التمويل الخارجي. في البداية في مجال الخلايا الكهروضوئية ثم توسعنا في أنظمة الطاقة المتجددة الأخرى، مثل الرياح والأمواج والمد والجزر وغيرها بالإضافة إلى أبحاث كفاءة الطاقة. مع الوقت انضمت مجموعة أبحاث الطاقة المستدامة إلى شعبة
الطاقة والتغيرات المناخية ذات الصدارة على مستوى العالم.
ماهي زمالاتكم ومشاركتكم العلمية مع الدول الأجنبية مثل الصين التي تركزت فيها دراساتكم ومشاريعكم العلمية في السنوات الأخيرة؟
لدينا تعاون مع العديد من الدول ومن ضمنها الصين، كينيا، أوغندا، الأردن، الفلبين، فيتنام، والمملكة العربية السعودية، وغيرها من التي لا يمكن حصرها حاليا.
المزيد من التفاصيل موجودة على موقعنا على الانترنت http://www.energy.soton.ac.uk.
الصين بلد مثير للاهتمام والتحولات فيه سريعة. تعاوننا المبدئي مع الصين يدور حول المدن – كيف يستهلكون مواردهم؟ كيف يقللون من تأثيرهم على البيئة؟ وغير ذلك. وهذا النوع من الأبحاث مهم جدا وبشدة، وخاصة أن الصين بلد سريع الخطى، ومن الممكن إجراء مشروع بحثي بها يتعلق بالمدن ورؤية نتائجه في إطار زمني يتراوح بين أربع وخمس سنوات.
في الصين أيضا قمنا بتركيز عملنا على أبحاث الطاقة والنقل ودراسات السلوك البشري في استخدام الطاقة ولدينا حاليا تطلعات مع شركائنا الصينيين حول هذه المواضيع. احمل أيضا درجة أستاذ زائر في إحدى الجامعات المرموقة في الصين والرائدة في البحث العلمي في مجال المدن الطاقة. الذكية
ما هي نصائحكم للطلاب والباحثين الشباب في العالم العربي الراغبين في استكمال دراساتهم العليا في الخارج خاصة في مجال تخصصكم؟
تعلمت من خبرتي الشخصية، أن على المرء أن يكون مصمم على تحقيق أهدافه. هذا يعني أن الشخص يحتاج إلى أن يكون دؤوبا بشأن دراساته ليحقق نتائج عالية. ستقدم النتائج الجيدة دليلا على العمل الجاد والقدرات العالية، والذي سوف يؤدي بدوره لإقناع جهات التمويل لدعم المنح للدراسة بالخارج.
في حالتي، لم يكن هذا الدعم متاحا، لكنني كنت مثابرا مع عائلتي، حتى حصلت أخيرا على إجازة وفرصة للدراسة لمدة عام واحد فقط في المملكة المتحدة، حيث التكلفة مرتفعة، والنقود قليلة. ثابرت وأعتقد أنني نجحت! من المهم أيضا إدراك أن الحظ يلعب أيضا دورا رئيسيا. في رأيي، التعليم العالي أو التدريب المهني أمر لا بد منه لجميع الطلاب الشباب. يمكن تلخيص الخطوات لتحقيق ذلك كالتالي:
١- عليك الدراسة بجدية للحصول على النتائج العالية المطلوبة.
٢ – حدد الموضوع الذي تريد دراسته. وكن صادقا، واختار المجال الذي يناسب قدرتك.
٣ – التمويل هو العقبة الرئيسية أمام الدراسة في الخارج. لذا، نصيحتي هي إكمال درجة البكالوريوس في بلدك، أولا. سيكون أداؤك في مرحلة البكالوريوس مؤشرا على قرارك لاستكمال دراستك العليا سواء بالداخل أو بالخارج. ومن المؤكد أنه كلما كانت نتائجك أعلى في مرحلة البكالوريوس ستكون فرصتك في الدراسة بالخارج والحصول على التمويل والمنح الدراسية في الجامعات المرموقة قابلة للتحقيق.
٤ – من المهم أيضا أن ندرك أن الدراسات العليا في الخارج، ليست مسألة سهلة. بالإضافة إلى مشقة الابتعاد عن العائلة والأصدقاء، على الطالب اجتياز عقبات رئيسية والتي يجب عليه تخطيها في إطار زمني محدد، لذلك من المهم أن تعمل بجد وتتعلم من أقرانك.
٥ – لا تنس أنه يمكن لك أن تتدرب على مستويات مختلفة من خلال الدورات القصيرة واختبارات تحديد المستوى وما إلى ذلك في الجامعات الخارجية. جرب قبل أن تبدأ!
كيف يمكن للتطورات الأخيرة في تقنيات الطاقة المتجددة أن تساهم في حل مشاكل الارتفاع لدرجة الحرارة في العالم بشكل عام وفي العالم العربي خاصة؟
هذا سؤال مهم جدا في هذا السياق، حيث يبحث العديد من المهندسين والعلماء في الخيارات المتاحة للتقليل من الانبعاثات وبالتالي التقليل من ارتفاع درجات الحرارة. تقوم أنظمة الطاقة الجديدة والمتجددة مثل طاقة الرياح، الطاقة الشمسية، الطاقة المولدة من البحار (من الأمواج ومن المد والجزر)، والطاقة الجيوحرارية المستخرجة من باطن الأرض، بلعب دور هام ورئيسي في تقليل الانبعاثات وخاصة في قطاع توليد الطاقة الكهربائية بصورة مبدئية، وسوف يتبعها قطاعات أخرى.
وقد قامت العديد من الدول بوضع أهداف خاصة لخفض الانبعاثات، وتنص معظم هذه الأهداف على التخلص من الانبعاثات الحرارية (حياد الكربون) بحلول عام ٢٠٥٠. في الحقيقة، وضعت المملكة المتحدة هذا الهدف في تشريعاتها في العام ٢٠٠٨قبل اتفاق باريس عام 2015 حول التغيرات المناخية والحد من ارتفاع درجة الحرارة من 1.5 درجة مئوية.
وقف الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية الملوثة للبيئة في توليد الطاقة والتدفئة أو التبريد والتي تحتوي على الكربون، والاعتماد على الطاقة المتجددة أمر بالغ الأهمية في استقرار درجة حرارة الكرة الأرضية. أنظمة الطاقة المتجددة لها أثر كربوني بالغ الصغر وانبعاث حراري قليل (تنشأ بشكل رئيسي من عمليات التصنيع والإزالة). وبغض النظر عن ذلك، فإنه بالإضافة لتقليل انبعاثات الكربون من توليد الطاقة الكهربائية، فإن إزالة الكربون من عمليات التدفئة والتبريد من خلال تشغيل المضخات الحرارية التي تعمل على كهرباء ذات أثر كربوني صغير. ويمكن أن نتخيل أن المباني يتم تبريدها وتسخينها من خلال شبكات تعتمد على هذه الأنظمة الجديدة. وبالمثل يمكن تحويل أنظمة النقل لدينا، مثل السيارات والحافلات والقطارات والطائرات مستقبلا إلى الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة من خلال البطاريات أو الهيدروجين الأخضر.
تقليل الانبعاثات الكربونية في مجال الصناعة سوف يأخذ نفس المسار. كل هذه الجهود يجب أن تتم لتحقيق أهداف ومتطلبات اتفاقية باريس 2015 للتغيرات المناخية للمحافظة أو لتقليل درجة حرارة الكرة الأرضية عند درجة ونصف مئوية أو أقل.
العالم العربي ما زال يعتمد على الطاقة المولدة من الوقود الأحفوري. ومن المرجح أن يستمر ذلك خلال عقدين مقبلين على الأقل. ومع ذلك، يوجد العديد من المشاريع الكبيرة والمهمة، وخاصة توليد الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية، كما هو الحال في مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وغيرها. ومع ذلك هناك حاجة لتسريع هذا التقدم لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الحرارية. ودفع هذا التسارع يجب أن يكون من خلال سن التشريعات الملزمة التي تدعم هذه الأهداف بالتمويل والحوافز.
أيضا، تفتقد المنطقة العربية إلى قدرات التصنيع والتجميع على المستوى المحلي للوفاء بهذه المشروعات الضخمة والاستفادة منها. ولسوء الحظ يتم دعم هذه المشاريع من خلال استيراد التكنولوجيا والمعرفة الفنية من الخارج. من وجهة نظري، هذا لن يوفر التعلم والمعرفة الفنية للمنطقة بحيث يمكنها الاعتماد على نفسها والتقدم والمنافسة وخلق الوظائف ودعم الاقتصاد.
لكي تستفيد المنطقة العربية من هذا التوجه السريع عالميا نحو الطاقة المتجددة، عليها أن تحدد أي من هذه الأنواع من الطاقة المتجددة الذي يمكن تبنيه بسهولة ليسمح بنشوء ابتكارات جديدة على مستوى المنطقة. ونظرا لأن تقنية توليد الطاقة من الشمس والرياح على الأرض أصبحت ناضجة ومتقدمة جدا، فإنه من المنطقي تبني تكنولوجيا توليد الطاقة من الرياح التي على الشاطئ، حيث انها أقل نضوجاً مما يسمح بمجال أكبر للإبداع. قمنا مؤخرا بنشر أفكار جديدة عن تحويل طاقة الرياح إلى طاقة كهربائية والمصادر الجيدة التي تتوفر بها حول منطقة الجزيرة العربية، كما يتضح في الشكل رقم (2). وعلى عكس تقنية الخلايا الشمسية، لا يعتمد تحويل طاقة الرياح الشاطئية على الإشعاع الشمسي بل هي متاحة طوال اليوم. طاقة الرياح الشاطئية توفر الفرصة الأفضل للمنطقة ليس فقط في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة على نطاق واسع، ولكن أيضا ستساهم في إنشاء قطاع جديد في الصناعة في المنطقة لأنها أقل تقدما ونضوجا من الوسائل الأخرى لتوليد الطاقة مثل الطاقة الشمسية علاوة على ذلك، يمكن أن نتصور أن التواجد على شاطئ البحر سيمكن من تحلية مياه البحر لتغطية الكثير من احتياجات مياه الشرب بواسطة الطاقة المتولدة من الرياح.
مع ارتفاع درجات الحرارة أصبح من المهم أن يساهم تخطيط المدن في التخفيف من العبء الحراري، فما هو الجديد في هذا المجال، وهل لديكم اهتمام وإسهام فيه؟
هذا أيضًا سؤال مهم جدا، كما نعلم أن ٥٠ % من سكان العالم يقيمون في المدن. وبالرغم من ذلك فهم مسؤولين عن ٨٠ % من حجم الاستهلاك و٧٠ % من الانبعاثات الكربونية. من المرجح أن تستمر مدننا في النمو خلال هذا القرن وما بعده. علاوة على ذلك، فإن المدن هي المكان الذي توجد فيه الابتكارات والقيادة عندما تقترن بحجمها، فهي تقدم أفضل الحلول الواعدة لحل مشاكل التغيرات المناخية والطاقة، حيث يستفاد من الإمكانيات والتمويل المتاح من اقتصادها الضخم.
في منطقة المملكة المتحدة وخارجها، نعمل مع المسؤولين عن اتخاذ القرار في المدن ليس فقط لحساب كمية الانبعاثات الحرارية في المدينة (الشكل 3)، ولكن أيضا نقوم بدراسة الحالات وتقديم الحلول والبراهين لتقليل تأثير المدن على البيئة.
يقوم عملنا البحثي في القسم على دراسة كيف جعل المباني في المدن تولد طاقتها الخاصة بها باستخدام أنظمة الخلايا الكهروضوئية، وشبكات الحرارة المحسنة لتوفير التدفئة للمباني، وكيفية تحديد المواقع الأمثل لمحطات شحن السيارات الكهربائية في المدن.

كل عملنا قابل للتحويل إلى العالم العربي. وبالفعل لدينا حاليا مشاريع مشتركة مع بعض الدول العربية وأشغل فيها أستاذ كرسي غير متفرغ. ونخطط في هذه المشاريع المشتركة لدراسة استهلاك الطاقة في المباني المنزلية وكيفية تقليل ذلك باستخدام الطاقة المولدة من نظام الخلايا الكهروضوئية المثبتة على أسطح المباني. مزيد من التفاصيل موجودة على هذا الرابط: https://energy.soton.ac.uk

كيف يمكن للطاقة المتجددة أن تسهم في تلبية احتياجات المدن العربية المكتظة بالسكان وتخفف من حدة تلوثها؟
قمت بالإجابة أيضا على بعض أجزاء هذا السؤال في السؤالين الثالث والرابع، ولكن بشكل عام. سأحاول الإجابة عن هذا السؤال بالتركيز على مدن المنطقة العربية، حيث المناخ حار جدا، والعديد من مدنها عالية الرطوبة أيضاً.

فيما يتعلق بالمباني، هذه هي أهم النقاط في رأيي:

١- يجب تشييد المباني لتكون أكثر كفاءة من بداية التصميم وأثناء مرحلة البناء.
٢ – يجب أن تخضع المباني حالياً لعملية تجديد وتحسين لتلائم البيئة المحيطة بها مثل – العزل الحراري الجيد، استخدام الكتلة الحرارية المناسبة للعزل، اختيار اتجاه المبنى لتقليل الكسب الحراري لأشعة الشمس الساقطة على واجهات المبنى. إذا أخذنا في الاعتبار كيف اعتدنا العيش في الماضي في ظل الظروف الجوية للمنطقة العربية قبل تكييف الهواء، فإن تاريخنا يقدم الكثير من الأدلة على أن مبانينا قد تم بناؤها بشكل أفضل مناسبةً للبيئة. فعلى سبيل المثال، قام أجدادنا ببناء الجدران السميكة، واستخدموا التهوية الطبيعية، وتدوير الهواء عن طريق البلكونات، وعملوا مصائد للرياح والممرات والساحات (وهذه تعتبر تهوية داخلية). لذلك، من المهم التعلم من فنون العمارة القديمة لدينا وتطبيقها في مبانينا الحالية والمستقبلية.
3- استخدام التقنيات الحديثة في المباني مثل تركيب الخلايا الشمسية على أسطح المباني لتوليد الطاقة الشمسية، واستخدم تبريد الأرض من خلال المبادلات الحرارية واستخدام الطاقة الشمسية الحرارية بدلا من استخدام الكهرباء في تسخين المياه. العديد من مدننا العربية مدن ساحلية – لذلك فإنه من الممكن التبريد باستخدام مياه البحر من خلال المبادلات الحرارية.
٤- من الممكن أيضا استخدام شبكات التبريد لتكتلات من المباني باستخدام المبادلات الحرارية المعززة بمصادر الطاقة المولدة من الأرض ومياه البحر.

فيما يتعلق بتقليل الانبعاثات الكربونية في مجال النقل، أرى أننا بحاجة إلى ما يلي:

١- نقل عام عالي الكفاءة مثل الحافلات والقطارات ذات الأثر الكربوني الصغير، وبأسعار معقولة ومناسبة لجميع سكان المدينة.
٢- تشجيع استخدام المركبات الكهربائية مع إنشاء البنية التحتية المناسبة كمحطات الشحن.
علاوة على ذلك، إذا قامت الدول العربية بالعمل معا على إزالة الأثر الكربوني من أنظمة إمدادات الطاقة كما سبق في السؤال الثالث، أعتقد أن الحلول المذكورة أعلاه ستقلل من الانبعاثات الحرارية والتلوث، والأهم من ذلك أنها ستولد الكثير من الوظائف المطلوبة في المدن إلى جانب النمو الاقتصادي.فيما يتعلق بالتلوث الذي يحدث في معظم الحالات بسبب أنظمة النقل مثل السيارات والشاحنات. في رأيي، يجب أن تكون هناك لوائح صارمة للسيطرة على المركبات عالية الانبعاثات كما هو الحال بالمملكة المتحدة. يمكن القيام بذلك من خلال المكافآت وفرض العقوبات. ومع ذلك، وكما هو موضح أعلاه، فإن أفضل نهج هو توفير وسائل النقل العام بالطاقة النظيفة من مصادر الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر. يجب تحفيز مالكي السيارات والشاحنات الخاصة على استخدام المركبات الكهربائية مع توفير البنية التحتية اللازمة لشحن السيارات.
هل ترى أن ما يتم من قرارات وإجراءات على مستوى العالم وعلى مستوى العالم العربي لمواجهة تغير المناخ كافي لمواجهة المشكلة؟
وقعت معظم دول العالم على اتفاق باريس للتغيرات المناخية 2015 (ACCORD)، والتي بموجبها وضعت معظم دول العالم الأول أهدافا طموحة ودقيقة لخفض الانبعاثات إلى الصفر بحلول العام 2060، وبعض الدول قبل ذلك. ولكن يجب أن يكون هذا جهدا عالميا، لأن الانبعاثات الحرارية لا تعترف بالحدود. من وجهة نظري، من المرجح أن تحقق معظم البلدان المتقدمة والصناعية هذه الأهداف.
بالنسبة للمنطقة العربية، بعض الأهداف المستهدفة للحد من ارتفاع درجة الحرارة ضعيفة للغاية وغير قابلة للقياس. لهذا السبب، من وجهة نظري، لن تكون الأهداف والجهود الحالية كافية لوقف وردع التغير المناخي. ذلك لأن العديد من الدول العربية ليس لديها لوائح وخطط استثمار محلية كافية لتوفير حلول لهذه الأزمة. أيضا سيتم تقليص التمويل اللازم تقليل الانبعاثات وذلك لدعم الاقتصاد المنهار بسبب جائحة كورونا.

هناك حاجة إلى منهج منظم لحساب الانبعاثات الكربونية في العالم العربي، وكيف يمكن تقليلها من خلال اعتماد التدخلات التقنية والسلوكية، وما هي التكاليف الاقتصادية المطلوبة. على الجانب الآخر، يجب إجراء تحليل المنفعة المرجو تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بجودة الحياة، والصحة، والتعليم، والنمو الاقتصادي، والخدمات المثلى، إلخ.