– لطالما وقفت الحركة المطلبية اللبنانية ضد خصخصة المرافق العامة في البلاد ( الكهرباء والماء ورغيف الخبز بشكل اساسي )، لادراكها انه من المستحيل موافقتها على ذلك كي لا تُستَباح هذه المرافق لمصلحة الاحتكار والجشع، والتحكم بابسط مقوّمات العيش للمواطن وتركه فريسة التجويع والعتمة والعطَش،
ولقد خاضت الحركة المطلبية والوطنية اللبنانية المعارك المفتوحة في مواجهة الحكومات المتعاقبة كي تبقى تلك المرافق في خدمة المواطن كخطوط دفاعٍ استراتيجية لا يمكن المس بها ، حفاظاً على الأمن الاجتماعي اولاً ،
ودرءاً لكل ما يمس الامن الوطني في اضعاف الخاصرة الشعبية للبلاد التي ترفده بخيرة ابنائها في المؤسسة العسكرية (الجيش) ،العمود الفقري للامن والاستقرار ، وحماية الداخل من اعداء الخارج والمتربصين به

ثانياً.
هل كانت المياه تجري من تحتنا ونحن ندبّج المقالات وبيانات الاعتراض ضد خصخصة الكهرباء التي جاء من يدعو لها بعد العام ١٩٩٢ من متمولين وزعماء غفلة “ونفاريش” حديثي النعمةً قذفت بهم الينا الظروف السياسية المستجدة على لبنان عقب مؤتمر الطائف ،كما كان يصفهم الاديب اللبناني الكبير جورج جرداق بسخريته المعروفة وانتقاداته اللاذعة !
ونحن من استشعرنا ومنذ ثلاثين عاماً مدى خطورة “وضع اليد ” على مؤسسة الكهرباء ،يوم قُيّض للبنان وجود وزير شريف آدمي ،هو جورج افرام ،على رأس وزارة الموارد المائية والكهربائية (قبل ان تسمى الطاقة) ، يوم اعلن مع بداية توزيره في اولى حكومات ما بعد الطائف ، ان في جعبته خطة للكهرباء تحتاج الى ستة اشهر وحسب من التخطيط والتنفيذ ليؤمن الاكتفاء الذاتي من الطاقة للبنانيين على مدى ساعات الليل والنهار ،
وزاد من طموحه ان بامكان لبنان ان يصدّر الطاقة وبيعها للخارج ايضاً بموجب هذه الخطة ، غير ان حسابات هذا الوزير التكنوقراط نظيف الكف غير المحسوب الا ،على مهنيته وضميره ،لم تكن لتتطابق مع اهداف ونوايا ميليشيا المال والنفوذ الحاكمة التي لم توفر ذريعة لاقالته واستبداله بآخر محسوبُ عليها ،وكأنها ادركت مسبقا خطورة ترك هذه الوزارة لمستقلين تكنوقراط وأوادم ،فآثرت منذ ذلك التاريخ ان تبقى حريصةً على ان لا تفلت منها ، وإن توزعت على اكثر من حزبٍ وتيار من داخل المنظومة لاخارجها .
هل كان علينا ان لا “ننتشي “بخبرية ان الدولة تخسر في موازنة الكهرباء كي لا تزيد من معاناة المواطنين ،فتتكبد سنوياً بين المليار والمليارين من الدولارات دعماً لمؤسسة الكهرباء وشراء الفيول والمشتقات الاخرى ،تخفيفاً على المواطن وإغراقه في وهم هذا الدعم الذي كان بمثابة لحس المِبرد الذي لم يستفق عليه الا لحظة شعوره ان دماءه قد اُهرِقَت ،وهو يستطيب طعم لسانه وقد جفّت الدماء لديه،
كما جفّت خزائن الدولة واحتياطاتها المالية والنقدية .
وهل كنا سذّجاً لدرجة ان نصدًق ان طرفاً سياسياً بذاته يتحمل مسؤولية العتمة دو ن سواه ،والكل ساهم في النهب والسمسرة وهدر المال العام ، على قدر ما تولى من مسؤليات اياماً وشهوراً وسنين ،وفي رقبة كل وزيرٍ منهم ، ملفات فساد ، اقل ما فيها يستدعي سن الاحكام العُرفية بحق اصحابها ومصادرة اموالهم وممتلكاتهم وفتح السجون على مصراعيها لهم .الا انه النظام الفاسد الذي يُمعِن في الولغ بدماء شعبه ، فلا يرتوي ، وقد تجاوز كل حدود الفساد ، وهو يتعامل مع البلد كبقرة حلوب لم يترك في ضرعها ما يُحلَبُ، فلجأ الى ذبحها وتوزيعها مغانم وحصص على قططه السِمان من محازبين وانصار ومحاسيب وميليشيات مذهبية، دون ان يؤمن للمواطن، ولو بالحدود الدنيا ، ما يعيش عليه من أَوَدْ ، وقد صادر لقمة عيشه وجعل رغيف خبزه يُسَعّر بالبورصة ، ووضع الشعب تحت رحمة المياه المستعارة الصالحة للشرب والتي يفتقدها في مواسير البيوت، ليشتريها بأغلى الاثمان ، ويُغرِق البلد في عتمةٍ لم تشهدها حتى افقر اقطار المعمورة واكثرها تخلّفاً وبدائية ،وتراهم اليوم “يشحدون” الطاقة من العراق ومصر والاردن وسوريا باشراف البنك الدولي وعطف الاميركان ، لستر ما بقي من ماء حياء في وجوههم ، ليس الاّ. هل كنا مخطئين في توصيفنا لهذا النظام الطائفي الذي قتل نسغ الحياة في شرايين الوطن على مدى سنين وسنين ، ام ان الفساد كان الاقوى ، وهو المتسلّح بالمال والنفوذ والسلاح والقضاء والدين فلم يترك للشعب من بصيص ضوءٍ للخلاص سوى الثورة ، والثورة وحسب ، وقد ضاقت كل السُبُل بهذا الشعب الصامد الصابر ، ولم يعد لديه ما يخسره الا الخروج من مزرعة الطوائف والمذاهب وكسر قيود التبعية لاشباه رجال دولة و”نفاريش” سياسة ومال .ذلك هو النور الحقيقي الذي سيقضي على عتمة الخوف والاحباط والتراجع ، وتلك هي اولى حروف ابجدية التغيير التي تسقط امامهاكل حروف المذّلة والهوان ، وقد كفانا من الصمت على الضيم وظلام المستبدين ماصارت تعجز عن تحمله الجبال ،وآن للصبر على الجوع والعطش ان ينفجر ، فبدون ذلك لن يطلع علينا فجر يومٍ جديد ، وسنبقى نرزح تحت ظُلمَة الليل والنهار ، طالما حاضرنا ومستقبلنا رهينة هذا النظام الفاسد