عبد الحكيم محمود

– شهدت الأرض ثورة السرطانات الطباشيرية مرات عدة تقترب من ١٢ مرة، عندها تنوعت السرطانات في جميع أنحاء العالم وبدأت تطوير أشكال أجسامها المميزة.

أعلنت دراسة أجراها فريق علمي دولي من جامعة هارفارد harvard university بالتعاون مع الجامعة الصينية لعلوم الأرض china university of geosciences (cug)، اكتشاف أول سرطان أو سلطعون (crab) من عصر الديناصورات الطباشيري مدفونا في قطعة كهرمان عمرها ١٠٠ مليون عام، وهو أقدم سرطان أحفوري تم اكتشافه على الإطلاق.
السرطان المكتشف كان حفرية عثر عليها في غابة شمال ميانمار في العام ٢٠١٥، وتم الاحتفاظ بها في متحف لونجين في مقاطعة يونان في الصين. وقد نشرت نتائج الكشف في دورية ساينس أدفانسز science advances في عددها الصادر في ٢٠ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وكما يشير تقرير لموقع ساينس ألرت science alert، فقد أطلق الباحثون على السرطان المكتشف تسمية كريتابسارا أثاناتا cretapsara athanata التي تعني “روح العصر الطباشيري الخالدة للسحب والماء” تكريما للأرواح الأسطورية في جنوب شرق آسيا.
ويقول الباحثون إن السرطان المكتشف يمكن أن يمثل جسرا بين أنواع المياه العذبة والأنواع البحرية، وإن هذه الدراسة ستفتح مجالا جديدا لإعادة كتابة تاريخ القشريات، حيث توفر رؤى جديدة حول تطورها وانتشارها في العالم.
سجل الأحافير
يتكون الكهرمان من الراتنج resin، وهو عبارة عن صمغ تفرزه الأشجار الصنوبرية المنقرضة من لحائها عندما يجرحها جارح حتى تستطيع حماية نفسها من الأمراض.
وبحسب ما جاء في البيان الصحفي الصادر عن جامعة هارفارد، فإن أكثر الأحافير شيوعا الموجودة في الكهرمان هي حفريات الحيوانات التي تعيش على الأرض، وخاصة الحشرات.
ويمتد سجل أحافير السرطان إلى أوائل العصر الجوراسي، أي منذ أكثر من ٢٠٠ مليون سنة، ولكن أحافير السرطانات غير البحرية التي يتم العثور عليها تكون متناثرة وتقتصر إلى حد كبير على أجزاء وقطع من درع الحيوانات كالمخالب والأرجل الموجودة في الصخور الرسوبية.
وبحسب سجلات الحفريات السابقة، فقد وجد أنها تتكون أساسا من أجزاء وقطع من المخالب، إلا أن السرطانات غير البحرية وصلت إلى الأرض والمياه العذبة منذ نحو ٧٥ مليونا إلى ٥٠ مليون سنة.
فحص الحفرية
ولفحص وتحليل الحفرية الجديدة المكتشفة، استخدم الفريق العلمي في دراسته نوعا من الأشعة السينية يسمى التصوير المقطعي المحوسب الدقيق micro ct، لإنشاء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد للسرطان لدراسة وظائف الأعضاء فيه بالتفصيل.
وقد سمحت هذه التقنية للباحثين بإلقاء نظرة واضحة على تفاصيل الأنسجة الدقيقة للسرطان، مثل قرون الاستشعار والساقين وأجزاء الفم المبطنة بشعر ناعم والعينين الكبيرتين وحتى الخياشيم.
وقد كشفت فحوصات التصوير المقطعي المحوسب الدقيقة أن الكهرمان قد حافظ على سرطان البحر الذي يبلغ قطره 5 ميليمترات بمستوى استثنائي، حتى أنه حمى شعيرات السرطان الرقيقة (الشعر اللافقاري) حول أجزاء فمه المفتوحة قليلا.
يقول المؤلف الرئيسي خافيير لوكيه javier luque، باحث ما بعد الدكتوراه في قسم الأحياء العضوية والتطورية بجامعة هارفارد، “العينة مذهلة، وهي فريدة في نوعها. إنها كاملة تماما ولا تفقد شعرة واحدة على جسمها، وهو أمر رائع”.
وأضاف لوكيه “كلما درسنا الحفرية، أدركنا أن هذا الحيوان كان مميزا للغاية من نواح عدة، فهو يبدو ذا مظهر حديث بشكل ملحوظ، إذ إنه يشبه بعض سرطان البحر الموجود اليوم، على عكس معظم السرطانات خلال منتصف العصر الطباشيري التي بدت مختلفة تماما عن السرطانات الحديثة”.
كيف غزت السرطانات اليابسة؟
يذكر بيان جامعة هارفارد أن الأسئلة التي كان يبحث عنها الباحثون هي: كيف تم الحفاظ على حيوان مائي عمره ١٠٠ مليون عام في الكهرمان الذي عادة ما يكون موطنا لعينات تعيش على الأرض؟ وكيف انتقلت السرطانات إلى اليابسة؟
يقول الباحثون في ورقتهم العلمية إن التحليل الذي قام به الفريق العلمي قد أظهر أن سرطان البحر لا يحتوي على أنسجة رئوية، إذ أنه يحتوي على خياشيم متطورة، مما يشير إلى أن الحيوان لم يعش بشكل كامل على الأرض.
والإجابة على هذا السؤال يكمن في الخياشيم، فخياشيم الحيوانات المائية تسمح لها بالتنفس في الماء، ولكن السرطانات نجحت وبشكل مستقل في غزو الأرض والمياه قليلة الملوحة والمياه العذبة ١٢ مرة على الأقل منذ عصر الديناصورات، حيث تطورت خياشيمها لتشمل نسيجا شبيها بالرئة مما سمح لها بالتنفس داخل وخارج الماء.

ويفترض الباحثون أن السرطان كان يعيش في المياه العذبة أو ربما كان سرطانا صغيرا شبه أرضي، أو وربما هاجر إلى اليابسة من الماء، مثل سرطان البحر الأحمر الشهير في جزيرة كريسماس، حيث تطلق الأمهات القاطنات على الأرض ذريتها في المحيط، قبل عودتها إلى اليابسة.

ويعتقد الباحثون انطلاقا من نتائج هذه الدراسة أن حدثا يُعرف باسم ثورة السرطانات الطباشيرية، كانت قد شهدته الأرض، عندما تنوعت السرطانات في جميع أنحاء العالم وبدأت تطوير أشكال أجسامها المميزة، وهو ما حدث مرات عدة أكثر مما كان يُعتقد سابقا.
ويرفع هذا البحث الجديد حصيلة تطور أنواع سرطان البحر المختلفة بشكل مستقل، لتعيش خارج بيئتها البحرية إلى ١٢ مرة منفصلة على الأقل. كما تؤكد نتائج هذه الدراسة أن السرطانات غزت الأرض والمياه العذبة خلال عصر الديناصورات، وليس خلال عصر الثدييات، مما دفع تطور السرطانات غير البحرية إلى الوراء في الزمن.