عايدة حسيني

في وقت يتجادل اللبنانيون ويتقاتلون في ما بينهم حول كلّ شيء، حتّى على جنس الملائكة، ويدمرون بلدهم ويستثيرون الغرائز البغيضة، دقّت أمس لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعيَّة لغربي آسيا، “الأسكوا”، جرس الإنذار من مخاطر الفقر الذي وصل إليه اللبنانيون، وحجم المشاكل المعيشية والإجتماعية التي وصلوا إليها، في بلد منهك إقتصادياً ومنقسم سياسياً ومشلول على مستوى الإدارات العامّة.

ففي تقرير لها، أفادت “الأسكوا” وفق دراسة أجرتها في ٣ أيلول الفائت، أن معدّل الذين يرتعون في عالم الفقر بلبنان بلغ ٨٢ بالمئة من السكان في العام الحالي ٢٠٢١، بعدما كانت نسبة الفقر في العام المنصرم ٢٠٢٠ قد لامست الـ ٥٥ بالمئة.

وأظهرت الدراسة التي أعدّتها “الأسكوا” بأنّ الفقر في لبنان أصابت سهامه ٧٤ بالمئة من السكان، أمّا في حال تمّ أخذ أبعاد أوسع من الداخل في الإعتبار، كالصحّة والتعليم والخدمات العامة، فنرى أنّ نسبة الفقر تمكّنت من النيل من 82 في المئة من السكان. والمؤسف والمؤلم في الأمر أنّ الأسكوا أشارت إلى أنّ نسبة الحرمان والتي تعتبر أكثر من أبعاد الفقر، أصبحت تعانق ٣٤ في المئة منهم اليوم، وفي بعض المناطق اللبنانية فاقت النسبة أكثر من نصفهم. أمّا بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢١ فقد كشفت لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية أنّ دراسات أظهرت أنّ أكثر من ٧٠ بالمئة من الشباب اللبناني يسعى إلى الهجرة جرّاء المأساة المعيشية في بلدهم.

هذه الأزمة المعيشية والإقتصادية الخانقة التي دفعت السواد الأعظم من اللبنانيين نحو فقر مدقع، ظهرت بعض معالمه في ارتفاع معدّل البطالة. فقد أفادت إدارة الإحصاء المركزي، خلال تقرير لها نشر بتاريخ ٢٣ أيلول ٢٠٢١، أنّ نسبة ٥٥ في المئة من اللبنانيين يعملون بشكل غير نظامي، بينما هنالك نسبة ٤٥ بالمئة تعمل بشكل نظامي، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ بطالة الشباب نسبتها تُعتبر الأعلى وتبلغ تلك البطالة معدّل ٣٥.٧ بالمئة، وترتفع عند فئة الشباب الذين يحملون شهادات. وتستقر البطالة بشكل أساسي في مناطق عكار والجنوب والبقاع الأوسط وعاليه.

هذه الأرقام عزّزتها ما صدر عن وزارة العمل بأنّ نسبة البطالة قد فاقت فعلاً الـ ٥٠ بالمئة، وأنّ أكثر القطاعات التي برزت فيها عمليات صرف واسعة للموظفين والعمّال هي قطاعات الخدمات، القطاع المصرفي، القطاعات الفندقية وقطاع البناء والمقاولات، فضلاً عن قطاع الإعلام، وبأنّ موظفين وعمّال يعملون في القطاع العام باتوا يتغيّبون عن الحضور إلى أعمالهم لأنّهم أصبحوا عاجزين عن تأمين بدل النقل الذي يجعلهم قادرين على الإنتقال إلى مراكز وظائفهم وأعمالهم.

هذا الإنهيار السّريع نحو الفقر في لبنان، دفع بالأمينة التنفيذيّة لـ”الأسكوا” رولا دشتي إلى التذكير بالدعوة التي أطلقتها في العام ٢٠٢٠ بهدف إنشاء صندوق وطني للتضامن الإجتماعي بهدف التخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية، إنطلاقاً من تقديرات بأنّه يمكن للعُشر الأغنى من اللبنانيين الذين يملكون ثروة تعادل ٩١ مليار دولار أن يسدّدوا كلفة القضاء على الفقر عبر تقديم مساهمات سنوية لا تتعدّى نسبة ١في المئة من ثرواتهم، لكنّ هذه الدعوة كما غيرها ذهبت أدراج الرّياح، ولم تجد من يهتم بها.