نبيل الزعبي


بدايةً ولنحدّد التسميات باسمائها كي لا نشطح في التوصيفات ونتمادى في تحميل المسؤوليات وبالشكل العشوائي دون ادراك لمستوى المواجهة الحاصلة منذ ما قبل السابع عشر من تشرين اول للعام ٢٠١٩وما بعده ،
وقد آلينا على انفسنا منذ ذاك التاريخ توصيف ما يحصل انما هو انتفاضة ذات طابع ثوري ،اي تغييري،ولم يخالجنا الشك البتة انها ثورة ،للادراك العميق ان للثورة برامجها واستراتجيتها وادواتها ،ولكم كان التمني ان ترتقي هذه الانتفاضة الى ما هو اقرب الى الثورة بدل ان تُرمى بسهام النقد والتجريح اليوم ،وتحميل اصحابها اكثر مما يجب ان يتحملون من مسؤوليات، بالرغم من وجود العديد من العناصر الصادقة التي افرزتها الجولات المتتالية من المواجهة ،مع سلطة تحالف ميليشيا المال والنفوذ والطوائف ،واخطرها المذهبية التي لم تكتفِ بالتقسيم الديني للبنانيين فحسب ،وانما لجأت الى الطوائف ولتقفز بعدها الى المذاهب ،إمعاناً في تقسيم المجتمع اللبناني الى كانتونات ،هي اشبه الى البؤر الانعزالية والمزارع والمعازل التي يفتقد فيها اللبناني اي انتماء للوطن والمواطنة . هذه المنظومة السلطوية الفاسدة لن توفر اية وسيلة لاستمرارية وجودها معوّلةً على كل العوامل الخارجية والداخلية التي تضمن بقاءها ،وفي سريرتها تراها تشكر الظروف الطارئة التي اوجدت وباء الكورونا الذي عطّل البلاد باكملها لما يقارب العام الكامل ،وشلّ حركتها لحظات عز تنامي الحركة الاعتراضية على هذه المنظومة ،التي استغلت تلك الظروف لتهريب مليارات الدولارات من العملة الصعبة الى الخارج وتركت الملايين من المودعين تحت رحمة اصحاب المصارف ،ليحصل الجوع والافقار المستجد الذي حرف بوصلة الاهتمام اليومي للبنانيين ،نحو مواجهة الاوضاع الاقتصادية القاسية ،وما افرزته من تدهور معيشي غير مسبوق في التاريخ اللبناني الحديث ،وجعلت من البحث عن ابسط متطلبات البقاء على قيد الحياة، اولى اولويات الناس .يكفي الشباب اللبناني الذي افترش الشوارع والساحات ليالي وايام ما بعد ١٧تشرين انهم قضوا على فكرة هذه المزارع والمعازل والبؤر وتلك هي واحدة من الانجازات التي تسجل في خانة الوعي اللبناني الجماعي الذي لم تغادر ذاكرته حروب السنتين ٧٥-٧٦ حتى الآن ،ومن دفع الاثمان الباهظة فيها بالحجر والبشر ،ومن استفاد نفوذاً وركوباً لموجة التعصب ،والانغلاق التي صمم اللبنانيون على عدم تكرار تجربتها ومواجهة التحديات التي تعيق ذلك .
لو لم يكن ما تقدم انتصاراً جوهرياً يحققه اللبنانيون العاملون على تغيير منظومة الفساد السياسي القائم ،
لما استجمعت هذه المنظومة كل ادواتها اليوم وتصالحت مع بعضها البعض وتركت كل تناقضاتها الثانوية جانباً ،
بهدف مواجهة الشارع اللبناني المنتفض ، ولا يدخل ما يحصل فيما بينها من تراشق اعلامي سوى في خانة التضليل وحرف التوجه الشعبي نحو اهتمامات اخرى
واخطرها ،اعادة الخطاب المذهبي الى التداول من جديد ،لادراك المنظومة ان في ذلك خلاصها من الغضب الجماهيري ،وترك الناس يتصارعون فيما بينهم على “السماء “،فيما تُبقي قبضتها راسخة على الارض .وباعتراف “جهابذة “منظّري السياسة الداخلية اللبنانية ,
انه طوال فترة التشكيل الحكومي التي استمرت ثلاثة عشرشهراً ، كان المطلوب لها ان تطول ،لسبب وحيد لا ثاني له ،وهو ان كل اطراف النزاع ، وحلفاءهم ومن يقف وراءهم ،سيستفيدون حتماً من التأخير ،لان خطابهم التصعيدي المتبادل سيزيد من استعادة كل طرف لشعبيته التي فقدها بعد التاسع عشر من تشرين ،وبالتالي لم يكن من حاجة للعجلة لدى كل منهم ومن يمثل سياسياً للتشكيل ،ثم يأتيك من يقول انهما يتصارعون لمصلحة البلد ، وتقوده السذاجة والبساطة الى العمى السياسي الذي يحجب عنه حقيقة الضحك المتبادل الذي يمارسه هؤلاء على الجميع .
وفي الانتخابات النقابية الاخيرة لبعض المهن الحرة ، شاهدنا كيف تم تجميع “اضداد “السلطة في لوائح موحدة تتصدى لقوى التغيير وقفزت على كل تناقضاتها البينية لتحقق اي انتصار عليها ، وهذا ما يؤكد ان قوى التغيير وبالرغم من كل ما واجهها من انتكاسات ،لم تزل هاجس السلطة باحزابها وميليشياتها وزعرانها، ومع كل ما حققته بعض اطراف السلطة من تخريب على انتفاضة اللبنانيين ، والامعان في تدجين النقابات ، الى رفضها اجراء انتخابات نيابية فرعية لملء عشرة مقاعد نيابية شاغرة منذ ما يقارب العام من الزمن ،فذلك كله ، ليس الا بسبب اوضاعها الداخلية المأزومة التي تعيشها مع اتساع النقمة الشعبية وتمددها في كل المناطق اللبنانية ،حتى داخل مناصري احزابها وبيئاتهم الشعبية ،التي باتت تتململ بدورها وما عادت لتتحمل اثقال المصاعب الاجتماعية والمعيشية المتراكمة .
نعم وبدون مكابرة نقول : ان الانتفاضة لم تحقق كل ما كانت تصبو اليه ،وان الذين رفعوا شعار “كلن يعني كلن” يدركون تماماً ان المعركة هي مع الطبقة السياسية الفاسدة دون استثناء ،لذلك لا عجب ان يتكتل جماعة “كلن” بدورهم ،ضد هذه الانتفاضة في معركة مفتوحة ومسار طويل لا يقاس بايام واشهر وانما بسنين ،لما امام قوى التغيير من عقبات تتكشف كلما ازداد أوار الصراع المتبادل ،وكيف ان الطائفية التي قسمت اللبنانيين لعقود من السنين وباتت مرفوضة من الشعب اللبناني ،
يعملون على تثقيلها اليوم وشحنها بمحميات مذهبية ،
تعيد تجميع ما خسرته السلطة التي لن تتوانى عن فتح معارك جديدة بإسم المذاهب ، ونبش التراث وسلبيات الماضي في سبيل ترجيح موازين القوى لمصلحتها ،
وان اخطر ما تخطط له اليوم ، والبلاد على ابواب انتخابات نيابية قريبة ،يكمن في اخراج خططها الجهنمية الطارئة من الجوارير بهدف تقسيم اللبنانيين من جديد ودفع الاكثرية الى خانة الولاء الاعمى لمن يحمل سيف الدفاع عن “حياضهم “المذهبية ،مستغلين صمت الاكثرية الشعبية وانكفاءها عن الخروج عن دور المتفرج، والسلطة تدرك تماماً ان هذه الاكثرية عندما تخرج عن صمتها ،يبدأ التغيير الحقيقي ومعه تبدأ الثورة ..