في لقاء أجرته الجزيرة نت مع البروفسور اليمني ابو بكر باحاج حاوره الصحفي العلمي عبد الحكيم محمود

في ظل تسارع التطورات والتطبيقات العلمية لتقنيات الطاقة المتجددة في العالم، وأساليب التكيف مع التغير المناخي، كيف يمكن النهوض بوطننا العربي في استخدام وتطبيق تقنيات الطاقة المتجددة وأساليب التكيف مع التغير المناخي؟

هذا السؤال محور لقاء أجرته الجزيرة نت -عبر البريد الإلكتروني- مع البروفيسور اليمني أبو بكر سالم باحاج عالم الطاقة والتغيرات المناخية وأستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة ساوثامبتون (university of southhampton) بالمملكة المتحدة.

والدكتور باحاج هو مؤسس برنامج البحث العلمي في مجال الطاقة المستدامة بالجامعة الرائدة بين الجامعات البريطانية في هذا المجال، منذ 25 عاما، ورئيس شعبة الطاقة والتغيرات المناخية، ورئيس المجموعة البحثية في الطاقة المستدامة، وكبير المستشارين العلميين لمجلس مدينة ساوثامبتون.

ما تقنيات الطاقة المتجددة وما الحل لمشاكل الارتفاع العالمي للحرارة؟
من أجل خفض الانبعاثات الكربونية الناجمة عن الطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري، الفحم والغاز الطبيعي والنفط، يتجه العالم نحو إنتاج الطاقة من مصادر بديلة ومتجددة، تقوم أنظمتها على مصادر غير تقليدية. ومن أمثلتها طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة المولدة من البحار (من الأمواج ومن المد والجزر)، والطاقة الجيوحرارية المستخرجة من باطن الأرض.

وتلعب هذه المصادر دورا مهما ورئيسيا في تقليل الانبعاثات وخاصة في قطاع توليد الطاقة الكهربائية بصورة مبدئية، وسوف تتبعها قطاعات أخرى.

وقد قامت العديد من الدول بوضع أهداف خاصة لخفض الانبعاثات، منها التخلص من الانبعاثات الحرارية (حياد الكربون) بحلول عام 2050. وعلى سبيل المثال وضعت المملكة المتحدة هذا الهدف في تشريعاتها في عام 2008 قبل اتفاق باريس عام 2015 حول التغيرات المناخية والحد من ارتفاع درجة الحرارة من 1.5 درجة مئوية. ويعتبر ذلك الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة والمتجددة ذا أهمية بالغة في استقرار درجة حرارة الكرة الأرضية.

ما وضع الطاقة المتجددة في المنطقة العربية؟
بالنسبة للعالم العربي فإنه ما زال يعتمد على الطاقة المولدة من الوقود الأحفوري. ومن المرجح أن يستمر ذلك خلال عقدين مقبلين على الأقل. وفي المقابل توجد العديد من المشاريع الكبيرة والمهمة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، كما هي الحال في مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وغيرها.

مع ذلك، فهناك حاجة لتسريع هذا التقدم لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الحرارية، ولدفع هذا التسارع يجب سن التشريعات الملزمة التي تدعم هذه الأهداف بالتمويل والحوافز.

فمن الأسباب التي تعيق النهوض باستخدام تقنيات الطاقة المتجددة في الوطن العربي هو أن دعم مثل هذه المشاريع ما زال يعتمد على استيراد التكنولوجيا والمعرفة الفنية من الخارج. ومن وجهة نظري، هذا لن يوفر التعلم والمعرفة الفنية للمنطقة بحيث يمكنها الاعتماد على نفسها والتقدم والمنافسة وخلق الوظائف ودعم الاقتصاد.

أيضا، تفتقد المنطقة العربية إلى قدرات التصنيع والتجميع على المستوى المحلي للوفاء بمتطلبات هذه المشروعات الضخمة والاستفادة منها.

ولكي تستفيد المنطقة العربية من هذا التوجه السريع عالميا نحو الطاقة المتجددة، عليها أن تحدد أيا من هذه الأنواع من الطاقة المتجددة يمكن تبنيه بسهولة ليسمح بنشوء ابتكارات جديدة على مستوى المنطقة.

ونظرا لأن تقنية توليد الطاقة من الشمس والرياح على الأرض أصبحت ناضجة ومتقدمة جدا، فإنه من المنطقي تبني تكنولوجيا توليد الطاقة من الرياح. وقد قمنا مؤخرا بنشر أفكار جديدة عن تحويل طاقة الرياح إلى طاقة كهربائية والمصادر الجيدة التي تتوفر بها حول منطقة الجزيرة العربية.

وعلى عكس تقنية الخلايا الشمسية، لا يعتمد تحويل طاقة الرياح الشاطئية على الإشعاع الشمسي بل على الرياح المتاحة طوال اليوم، إذ إن طاقة الرياح الشاطئية توفر الفرصة الأفضل للمنطقة ليس فقط في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة على نطاق واسع، ولكن أيضا للمساهمة في إنشاء قطاع جديد في الصناعة بالمنطقة، وذلك لأنها أقل تقدما ونضوجا من الوسائل الأخرى لتوليد الطاقة مثل الطاقة الشمسية.

علاوة على ذلك، يمكن أن نتصور أن الوجود على شاطئ البحر سيمكّن من تحلية مياه البحر لتغطية الكثير من احتياجات مياه الشرب من الطاقة المتولدة من الرياح.

كيف يمكن تخفيف حدة التلوث في المدن العربية المكتظة؟
إن مدن المنطقة العربية، تتسم بمناخ حار جدا، والعديد من مدنها عالية الرطوبة، لهذا فإن عملية تخطيط المدن الصديقة للبيئة في البلدان العربية يجب أن يراعى فيها وفي تشييدها عدد من النقاط وهي:

– تشييد المباني لتكون أكثر كفاءة منذ بداية التصميم وأثناء مرحلة البناء.

– يجب أن تخضع المباني الحالية لعملية تجديد وتحسين لتلائم البيئة المحيطة بها مثل العزل الحراري الجيد، واستخدام الكتلة الحرارية المناسبة للعزل، واختيار اتجاه المبنى لتقليل الكسب الحراري لأشعة الشمس الساقطة على واجهات المباني.

وإذا أخذنا في الحسبان كيف اعتدنا العيش بالماضي في ظل الظروف الجوية للمنطقة العربية قبل تكييف الهواء، فإن تاريخنا يقدم الكثير من الأدلة على أن مبانينا قد تم بناؤها بشكل أفضل مناسبةً للبيئة.

فعلى سبيل المثال، قام أجدادنا ببناء الجدران السميكة، واستخدموا التهوية الطبيعية، وتدوير الهواء عن طريق البلكونات، وعملوا مصائد للرياح والممرات والساحات (وهذه تعتبر تهوية داخلية). لذلك، من المهم التعلم من فنون العمارة القديمة لدينا وتطبيقها في مبانينا الحالية والمستقبلية.

– استخدام التقنيات الحديثة في تصميم المباني مثل تركيب الخلايا الشمسية على أسطح المباني لتوليد الطاقة الشمسية، واستخدم تبريد الأرض من خلال المبادلات الحرارية واستخدام الطاقة الشمسية الحرارية بدلا من استخدام الكهرباء في تسخين المياه. العديد من مدننا العربية مدن ساحلية، لذلك فإنه من الممكن التبريد باستخدام مياه البحر من خلال المبادلات الحرارية.

– يجب استخدام شبكات التبريد لتكتلات من المباني باستخدام المبادلات الحرارية المعززة بمصادر الطاقة المولدة من الأرض ومياه البحر.

وكيف يمكن التقليل من الانبعاثات الكربونية للمدن؟
ويختتم البروفيسور أبو بكر باحاج حديثه للجزيرة نت قائلا إذا قامت الدول العربية بالعمل معا على إزالة الأثر الكربوني من أنظمة إمدادات الطاقة، فأعتقد أن الحلول المذكورة ستقلل من الانبعاثات الحرارية والتلوث، والأهم من ذلك أنها ستولد الكثير من الوظائف المطلوبة في المدن إلى جانب النمو الاقتصادي.

كما أن التقليل من الانبعاثات الكربونية الصادرة من وسائل النقل والمواصلات أمر في غاية الأهمية، وفي هذا الصدد فإن البلدان العربية بحاجة إلى ما يلي:

– نقل عام عالي الكفاءة مثل الحافلات والقطارات ذات الأثر الكربوني القليل، وبأسعار معقولة ومناسبة لجميع سكان المدينة.

– تشجيع استخدام المركبات الكهربائية مع إنشاء البنية التحتية المناسبة كمحطات الشحن.

– يجب أن تكون هناك لوائح صارمة للسيطرة على المركبات عالية الانبعاثات كما هي الحال بالمملكة المتحدة، ويمكن القيام بذلك من خلال المكافآت وفرض العقوبات.

– يجب توفير وسائل النقل العام بالطاقة النظيفة من مصادر الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر، ويجب تحفيز مالكي السيارات والشاحنات الخاصة على استخدام المركبات الكهربائية مع توفير البنية التحتية اللازمة لشحن السيارات.