عايدة حسيني

– في مناسبة حفل مئوية نقابة المحامين في طرابلس
اهدى نقيب المحامين في بيروت الدكتور ملحم خلف إلى نقيب المحامين في طرابلس الاستاذ محمد المراد وأعضاء مجلس النقابة وثيقة تاريخية وهي أصل القرار الصادر بتاريخ ٦ كانون الأول ١٩٢١ والذي قضى بإنشاء نقابة للمحامين في طرابلس وبتعيين اول نقيبين فيها المغفور لهما الاستاذين رشيد طرابلسي وعبد اللطيف غلاييني.
وهذا المستند بقي في أرشيف المحامي موسى أسعد خوري، من نقابة المحامين في بيروت، عن جده المحامي موسى يوسف خوري الذي كان أحد الأعضاء الستة في أول مجلس نقابة للمحامين في طرابلس.

وثيقة تاريخيةأصل القرار الصادر بتاريخ ٦ كانون الأول ١٩٢١ والذي قضى بإنشاء نقابة


وكان للنقيب خلف كلمة في الإحتفال، نصها الآتي:

أيها الأصدقاء،

أنْ تتأسّس نقابة المحامين في بيروت سنة ١٩١٩، ونقابة المحامين في طرابلس سنة ١٩٢١، وأنْ يتوسطهما إعلان دولة لبنان الكبير سنة ١٩٢٠، فهذا لم يكن بالتأكيد صدفةً، إنّما موعداً مع صناعة التاريخ. بالفعل، نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس كانتا الرافد الأوّل لرجالات الدولة، آنذاك، هؤلاء أوّل الذين آمنوا بهذه الدولة وساهموا في بناء مداميكها الأُولى وما فتؤوا يَعلون في البناء على مدار مئة سنة. وأنْ أقف اليوم خطيباً في مئوية نقابة المحامين في طرابلس-الشقيقة التوأم لنقابة المحامين في بيروت- فهذا مصدر فخرٍ واعتزازٍ وفرحٍ؛ هذه النقابة التي تعاقب على سدّة المسؤولية فيها تلّية الرجال الأبرار، آباء المهنة، الذين على سواعدهم وسواعد أشقائهم في بيروت بُنيَ مجدُ المحاماة في لبنان. وليست أشدّ رهبة من الكلمة الا حين تكون في حضرة أربابها. وكم نتهيب الوقوف في حظوة التاريخ الممتد لمائة سنة، ضارباً في اعماق الفكر والتضحية والجرأة والاندفاع… وما الشيب الذي يعلو هامة النقابة التوأم، من كَبَرٍ وإنّما من كِبَرٍ وعلوِّ قامة.فتحيّة من العين الى العين في وجه واحد،بل من الذات الى الذات في مسيرة لا انفصام فيها.جميع العائلات تضمّ الكبار والصغار، إلا عائلة المحامين فليس فيها سوى الكبار.ومخاض الكبار استلزم لولادة التوأمين سنتين امتدّتا، ومذّاك فالطريق واحد، والسعي موحّد والهدف واحد.وليس صدفة ان يولد العاشق قبل المعشوق، فتأسيس النقابتين قبل تأسيس لبنان الكبير، كان كمن يجهّز السّيف قبل الفارس ويُعدّ القلم قبل القصيدة.
وها إننا في خدمة لبنان سيف قاطع في كلمة الحق، وقلمٌ ما بريناه باسناننا إلا لنتشبّث بأجمل خلق الرحمن، بوطننا لبنان.
وليس ما آل اليه في هذا الزمن الرديء من صنع خالق او قدر، وانما بسبب بعض من تولى زمامه، وساس أموره، ممّن كانوا كالتوتياء البحرية: شوكٌ كثير ومُحٌ قليل!
بين النقيب محمد المراد وبيني، المراد واحد: لبنان في البَدء،
لبنان الآن، لبنان حتّى إنقضاء الدهر، عصي على التقسيم والتفتيت، متمرّد على التحجيم والتصغير، صلبٌ على المضغ ولو بأضراس من صوّان. محمد المراد، العكاريُ المنبِت، الطرابلسيُ الهوى، النقابيُّ الإنتماء، الواقف كلّ ولائك لزملائك والناس، العديدة مآثرك الطيّبة، المتفاني في العطاء، المندفع في صُنع الحسنات، أنتهز هذا المناسبة لأُحيّ الإنسان الذي هو أنت، وكُنته خلال السنتين التي ترافقنا بها في السراء الضراء، الإنسان الودود اللطيف المُحبّ المثابر، الوطني بإمتياز. خلال السنتين اللتين مضتا، لم نهدر دقيقة من الوقت؛ لم يمرّ حدثٌ على الصعيد المهني أو النقابي أو الوطني إلا وكنّا على تواصل دائم وتشاورٍ بنّاء، وتعاون مستمر، وعلى أهبّة اتخاذ كلّ القرارات المناسبة والدقيقة منها أحياناً.ظروف مشتركة جمعت بين النقابتين:
• تفجير بيروت في مرفئها وهي جريمة العصر
• كارثة التليل العكّاريّة وهي غير مسبوقة
وهي صفحتان سوداوان في تاريخ وطننا، نسعى بأكفّ المحامين البيضاء، وسواهم من الذين نذروا أنفسهم في خدمة الوطن والانسان، الى مسح الغبار الاسود عن التاريخ الأبيض.في النقابتين عودنا أنفسنا على التضحية، حتى اعتاد العطاء علينا، بعد أن أيقنّا أنّ المستحيل لا يُقيم إلا في مخيّلة العاجزين. وقد اعتاد المحامون اليقظون، ألا ينتظروا السفينة عند الميناء، بل هم يسبحون اليها مهما كان هياج البحر.ولا ننسى مقاربة قانون استقلالية القضاء، حين انخرطت النقابتان في خضم العمل الدؤوب وعلى كل الصُعُد، لنيل المتبقى – ولو تباعاً – في تحقيق استقلالية سلطة إن تلاشت أو ضعُفت فقد لبنان ركيزة عدالته، وهي مبرّر وجود الأوطان التي تلتفت الى الأمام لتستمرّ في التقدّم، رغم ان استقلالية اي فرد أو مجموعة إنّما هي كالايمان والسعادة لا تنبع إلا من الداخل وسوى ذلك هو أُطُر للتنظيم ليس إلاّ، ونحن لا نتخلّف عن شدّ العدالة الى رأس الجبل، لأننا نقترب معها من القمة.ويدٌ بيد تابعت النقابتان قانون تقاعد المحامين، يد تزرع ويد تسقي ولسوف تكون ايادي المتقاعدين في عرسٍ أيام القِطاف ويا سعادة النقيب، فاعل الخير خيرٌ منه، وانتم فَعَلَةٌ أبرارٌ في حقول الخير، فلا تهتمّوا بما يُقال فيكم أو في حقول الخير، فالحسّاد والاحقاد لا تُخلق من العدم بل من عظمة عقولكم،وإنّ الوحيد الذي سوف يُنصفكم هو التاريخ وأنتم أسياده. ونحن من أهل الصبر وبعد الاهداف لا تنتظر الثناء أواخر الشهر، فهو معقودٌ لنا اواخر العمل.إفعلوا الخير ولا تَحقِروا منه شيئاً، فإن صغيره كبير، وقليله كثير.وتذكروا دائماً ان المحامين هم كأشعة الشمس تخترق القذارة دون أن تتسخ.مبرورة هي أعمالكم، في كلّ زمانٍ ومكان، وإنّي متيقّن من تصميمكم على استمرار نضالكم من أجل المحاماة ولبنان، في أيّ موقعٍ تستقرون به. يُصادف هذا الحفل بدء السنة القضائية، فيطيب لي في هذه المناسبة أنْ أُخاطب القضاة كما خاطبهم معالي الصديق الحبيب النقيب رشيد درباس، يومةَ كان نقيباً للمحامين، خلال حفل إفتتاح السنة القضائية عام ٢٠٠٠ ، فقال، والكلام له:
يتم إجتماعنا الراقي هذا وقد بلونا أزمة العدالة التي لن تحلّ أزمة الوطن إلا بحلّها باعتبار العدالة هذه حجر الزاوية في أيّ نظام ديموقراطي صحيح. لذلك أُخطابك، أيّها القاضي المستقل بذاتك والتضامن معك حتى تصبح سلطتك مستقلة بحكم القانون، لا بحكم مناقبيتك الشخصية فقط،
وأُخاطبك أيّها الرازح تحت أثقال الملفات والضغوطات حتى يتخفف المواطن من ثقل الظلم؛ وأُخاطبك يا من اشتروا ساعات يومك كاملة براتب يتآكله التضخم وتنتاهبه أعباء الحياة وحاجات الأسرة والتعليم وثمن الكتب والمراجع؛ قديماً قيل، قاض في الجنة وقاضيان في النار، ولكنني لا أكون مفترياً على الواقع الراهن إذا قلت أنّ جلّ قضاتنا في الجنّة بإذن الله، ولكننا نخشى عليهم أنْ تلسعهم النار في الحياة لا في الآخرة. وهذه النار، أيّها السيدات والسادة، تلسعنا نحن معشر المحامين على قدم المساواة، ويرتع لهبها في ردائنا الأسود طالما بقيت الأزمة مستفحلة، وطالما بقي كهنة المعبد على قلق من الظروف والقواعد التي تخطاها الزمن في التشكيلات والانتدابات والمعاشات والخوف مما هو آت؛” صدقت أيّها النقيب العزيز، منذ أكثر من عشرين سنة، وكأنّ التاريخ يُعيد نفسه اليوم، بل كأنّ الظروف لم تتغير منذ ذاك الحين، وكأنّ هذا القلق، الذي ينتاب المحامين والقضاة في آن، قرّر أنْ يتربّع كلّ مشاعرنا؛ وهل من عدالة كاملة في انتشار هذا القلق في كلّ الأمكنة؟!
فالنقف سوياً ومعاً يا حضرة الرئيس الأول سهيل عبود، كي نطرد هذا القلق من صدورنا ونتصدّ لمسبباته الكثيرة المزمنة! الناس تبحث عن أملٍ ضاع بضياع العدالة. كلّنا اليوم، مسؤولون. من العار، أنْ تُترك الأمور تتهاوى!
لن نترك العدالة تهوي! ولن تهويَ إنْ صممنا معاً على الصمود!

“عُـــــذرٌ لمـــــن مـــــات لا عـــــــذرٌ لمـــــــن ســـلمـــا
إذا تــهـــدّم مــجـــدٌ واســـتـــُـــبــــيـــحَ حــُـــمـــــى”

إنّ رسالة المحاماة، ومحبّة لبنان، والدفاع عن حريّة أرضه واستقلال شعبه والإصغاء الى هموم الناس، تجعلنا-نحن نقابتي المحامين في لبنان-نحيا في معركة مستمرّة، لم تكن يوماً المسافات الجغرافية التي تفصلنا إلاّ مسافاتٍ إفتراضية، وما نكتبه اليوم ليس إلاّ صفحة واحدة من كتاب كتبه الآباء والأجداد في النقابتين، بالحبر والدم، ونتابع كتابته مع أولادنا والأحفاد، طالما هنالك حقّ مهدور أو ظلم يوجع كرامة الإنسان وحقوقه.
إنّ الانسان لا يموت حين يفقد قدرته على التنفّس بل حين يفقد قدرته على السعي، وكما أنّ النجاح ليس بعدم ارتكاب الاخطاء بل بعدم تكرارها، فالفشل لا يقف عند باب الخسارة بل عند باب الانسحاب.وطننا ينادينا ويستغيث بكل رأي وبكل عمل ومَن افضل منكم في ذلك.ففتح الابواب أهم من دخولها، لأنك ان تكون ملهماً خيرٌ من ان تكون مستلهماً.
فالتوأمان على تاريخ واضح وناجح، ومستقبل ثابت وواعد، يلبيّانً نداء الوطن، ونحن لا نكسر المنبّه اذا ايقظنا.
ولن نيأس في مقاربة المصاعب الوطنية الخطيرة، فإذا كانت الحياة قصيرة فإن المصاعب وحدها هي التي تجعلها طويلة وغير مُمِلّة.وفي صفات النقابتين أمل بالعلاج، فلنا البعد القانوني والبعدين الوطني والإنساني، فإننا لن نألو جهداً حتى يرتاح المواطن ويعتز الوطن ونسترد الدولة وتسمو دولة القانون. فنحن قوم نفكر بالاجيال القادمة وليس بالانتخابات القادمة.ونردد ما قاله يوماً الكبير ميشال شيحا: “لبنان بلدٌ صغير، نعم، وصغير جداً، نعم، ولكن ليس شعباً صغيراً بل متروكٌ له أنْ يلعب لعبته الكُبرى إنْ هو عرف نفسه ووعى رسالته نقابتا المحامين في لبنان واعيتان لنفسهما، وتعرفان رسالتهما! حيّاك الله وبيّاك نقابة المحامين في طرابلس، في مئويتك الأُولى. مئة سنة من العطاء، ومامليّتِ الكفاح.مئة سنة، ولا تحملي أيّ علامات من علامات الشيخوخة والعجز، بل كلّ علامات الشباب والإرادة الحرّة.إنّك تمثلين وجهاً رائعاً مشرقاً من وجوه لبنان الكبير وعنوانَ نهضة فكرية وحقوقية ووطنية.
تحيّة لكِ حَمَّلوني إياها محامو بيروت، عابقة بالإخوة والمودة!وهنيئاً لنا بكِ! والسلام.