عربي بوست

إذا كان عمرك ٩١ عاماً ولديك 3 أبناء وتملك ١٠٠ مليار دولار، ماذا ستفعل بها؟ غالباً ستكون إجابتك أن تمنحها لأبنائك، لكن بالنسبة لسادس أغنى رجل في العالم بحسب (Forbes)، رجل الأعمال الأمريكي وارين بافيت، فإنه يفضل أن يتبرع بهذا المبلغ للأعمال الخيرية، ولا يورث هذه الثروة لأبنائه، لكن هذا لا يعني أنه سيحرم أبناءه.

هذا الرجل الذي يعتقد أن فكرة انتقال الثروة الهائلة من جيل لآخر باتت غير جذابة وأقل شيوعاً يعتبر من أصحاب قصص الأثرياء العصاميين الملهمة، رغم فضل والده في إدخاله عالم الأعمال منذ سن مبكرة، ورغم أنه كان مستثمراً حريصاً في البداية، فإنه أصبح أحد أكثر الأثرياء سخاءً في العالم بعد تربعه عرش عشرات الشركات الكبيرة.

طفولة المستثمر الصغير واللعب بـ”الأرقام”

ولد بافيت (١٩٣٠) لأبٍ يعمل سمساراً للأوراق المالية في شركة وساطة خاصة، بينما كانت أمه ربة منزل، ولديه أخ يكبره وأخت تصغره. 

عمل والده جعله يهوى عالم الاستثمار من طفولته، خصوصاً أنه كان كثير التردد على مكتب والده، حيث كان يكتب الأرقام على السبورة، أو يقرأ الكتب هناك، ويبدو أنه تأثر بكتاب “ألف طريقة لكسب ١٠٠٠ دولار”، حتى إنه أخبر زميلاً له في المدرسة الابتدائية أنه سوف يقفز من أعلى مبنى في مدينته إن لم يصبح مليونيراً في سن الثلاثين.

بدأ بافيت مشاريع الطفولة مثلنا، لكنه حقق نتيجة مختلفة، إذ كان في طفولته يشتري العلكة وزجاجات الكولا من محل بقالة جده ويوصلها لمنازل زبائنه مقابل مبلغ أكبر، كما كان يبحث عن كرات الغولف المستعملة ويبيعها، وكذلك بيع الفشار في مباريات كرة القدم بجامعة مدينته (أوماها بولاية نبراسكا).

وفي الـ ١١ من عمره، اصطحبه والده في رحلة إلى نيويورك، ولأن الطفل بافيت كان قريباً من عالم الأعمال فكان يسمع عن بورصة نيويورك، وطلب من والده زيارتها مع بعض الشركات بالمدينة، وبهذا العمر دخل البورصة بأول استثمار بشراء سهم بـ١٢٠ دولاراً كان قد جمعها من أعماله، كما اشترى ٦ أسهم لنفسه ولأخته في شركة نفط وغاز تسمى Cities Service، كان سعر السهم حينها ٣٧.٢٥ دولار.

حدث شيء علّم هذا الطفل الصغير الكثير عن عالم البورصة، إذ انخفض سعر الأسهم التي اشتراها إلى ٢٧ دولاراً، لذلك بمجرد ارتفاعه إلى ٤٠ دولاراً قرر البيع، وربح أقل من دولارين، لكنه تابع سعر السهم، ولاحظ ارتفاعه ووصوله إلى ٢٠٢ دولار، فأدرك هنا أنه كان بإمكانه تحقيق المزيد إذا انتظر.

انتقلت عائلته إلى واشنطن وهو بعمر الـ١٢ حيث انتخب والده ليخدم فترة ولايته الأولى -من أصل أربع- كعضو في الكونغرس الأمريكي، وبدأ المستثمر الصغير يوسع نطاق عمله، حيث بدأ مع صديق له في استخدام الاحتمالات الرياضية لوضع النصائح في رهانات سباقات الخيل، لكن لأنه لم يكن مشروعاً مسجلاً رسمياً أُغلق.

ثم بدأ يعمل في تسليم الصحف لصحيفة The Washington Post، ولأنه أراد صنع المزيد من المال وسع النشاط، ليسلم أيضاً الصحف لمنافسيها في الطريق مثل صحيفة The Times Herald.

في سن الـ١٤ اشترى هو وصديقه آلات لعبة الكرة والدبابيس لوضعها في محلات الحلاقة، لكي يدفع العملاء مقابل استخدامها، وكانوا يقسمون الأرباح بينهم وبين الحلاق الذي يمتلك المتجر.

وفي عمر الـ١٥ عاماً اشترى أول قطعة أرض تسجل باسمه، ومن مدخراته التي وصلت لـ ١٢٠٠ دولار اشترى ٤٠ فداناً في ولاية نبراسكا، واستثمر فيها أيضاً بتأجيرها إلى مزارع يعمل بها مقابل تقاسم الأرباح.

طبعاً كان ما يفعله بافيت إنجازاً ضخماً بالنسبة لمن في مثل عمره، لدرجة أنه عند تخرجه في المدرسة الثانوية بعمر الـ١٧ عاماً، كُتب أسفل صورته في كتاب صور دفعته توصيف “يحب الرياضيات وسمسار بورصة في المستقبل”.

بالنسبة لشاب في مقتبل عمره يكسب هذا القدر من المال، لماذا سيرغب في إكمال تعليمه؟ لم يرد بافيت الدراسة مجدداً، لكن والده أراد منه دراسة إدارة الأعمال في مدرسة وارتون بجامعة بنسلفانيا، ورضخ لرغبة والده لعامين، لكنه كان يشعر أنه يفهم في إدارة الأعمال أكثر من أساتذته، لذلك انتقل إلى جامعة نبراسكا، حيث تخرج في سن الـ١٩، وحصل على شهادته في إدارة الأعمال. 

أراد بافيت الانضمام لكلية هارفارد للأعمال، لاعتقاده أن هذا سيحفز عقله بالأفكار، لكن تم رفضه. وكان يعمل بينما كان يدرس ويقضي ساعاتٍ طويلة في القراءة، وهو الشيء الذي استمر معه حتى كبر، إذ كان يقرأ بين ٦٠٠ إلى ألف صفحة يومياً.

قرر بافيت دراسة الماجستير في كلية كولومبيا للأعمال، وذلك فقط لأنه اعتقد أن كتاب “المستثمر الذكي” لبنغامين غراهام هو أذكى كتاب عن الاستثمار على الإطلاق، وكان هذا الكاتب يُدّرس بجامعة كولومبيا، ووجد من الدراسة بالجامعة فرصة ليكون قريباً من هذا الكاتب الذكي، الذي كان الطالب الوحيد الذي يحصل على درجة A+ في مادته، وغراهام كان له تأثير كبير على حياته لاحقاً، لدرجة أن بافيت يقول إن أسلوبه الاستثماري هو ٨٥ % بنغامين غراهام و١٥ % فيل فيشر.

كان بافيت ذكياً، لكنه كان شخصاً انطوائياً وخجولاً وعصبياً أيضاً، وقرر أن يغير من هذا وتلقى دورة خطابة عامة للكاتب ديل كارنيغي، التي أثرت فيه لدرجة أنه يعتبرها أحد أهم الدروس التي تلقاها ليصبح في مكانه الحالي.

 حياة الثري الحريص بعد التخرج 

بعد التخرج كان بافيت يريد العمل في وول ستريت، لكن نصحه والده وأستاذه غراهام بألا يفعل، وطلب بافيت من أستاذه أن يعمل معه مجاناً، لكنه رفض، فقرر العودة إلى مدينته ويعمل في شركة الوساطة التي يملكها والده.

ثم بدأ بتدريس دروس ليلية في الاستثمار في جامعة أوهاما، حيث كان معظم طلابه يبلغون ضعف عمره. إلى أن حصل على فرصة عمل مع الاقتصادي الأمريكي بنيامين غراهام في شركاته وهو بعمر الـ٣٤ (العام ١٩٥٤) فعاد إلى نيويورك.

هذا الشاب الذي يملك ماله الخاص كان مقتصداً للغاية، إذ سكن في مسكن طلبة تابع للكنيسة ليوفر مال السكن أثناء دراسته الجامعية، حتى إنه عندما تزوج زوجته الأولى سوزي (١٩٥٢) عاش في شقة صغيرة متداعية، وكان يوفر المال، لدرجة أنه عندما رزق بطفلته الأولى حوّل دولاباً صغيراً إلى سرير، كما

ولم يشترِ منزلاً إلا بعد إنجاب طفله الثالث بعد إدارة شركاته الخاصة -سنذكرها في الجزء اللاحق- واشترى منزلاً بسعر ٣١٥ ألف دولار، والغريب أنه أطلق على المنزل اسم “حماقة بافيت”، لكنه كمستثمر استغل إحدى غرفه وحولها إلى مكتب لإدارة شركته، قبل أن يحصل على مكتب للشركة.

بداية عمله الخاص

حتى العام ١٩٥٦ كان يعتبر بافيت شاباً ذكياً يعرف كيف يصنع المال، وكان موظفاً مجتهداً، لكنه قرر أن يكون رجل أعمال حقيقياً، وهنا بدأ شراكته الخاصة المسماة Buffett Associates Ltd، واستثمر سبعة من أفراد العائلة والأصدقاء ١٠٥ آلاف دولار في المجموع، الغريب أن استثمار بافيت كانت ١٠٠ دولار فقط، لكن بحلول نهاية هذا العام وصل هذا الرقم إلى ٣٠٠ ألف تحت إدارته.

بعد ٤ سنوات تحدث بافيت إلى أحد الشركاء، الذي كان طبيباً، وسأله عما إذا كان بإمكانه إقناع ١٠ أطباء آخرين لاستثمار ١٠٠٠٠ دولار لكل منهم في شركة أخرى، وقد نجح في ذلك باستثمار ١١ طبيبباً، وبعد عامين آخرين من العمل وصل رأس مال الشركة إلى ٧.٢ مليون دولار، وهنا قرر جمع كل استثماراته في شركة واحدة، وتشكيل شركة Buffett Partnership Ltd، ووضع حداً أدنى للاستثمار فيها بلغ ١٠٠ ألف دولار.

عمل بافيت أيضاً في مجال المنسوجات، واستثمر في شركات التأمين، وكذلك شركات الشوكولاتة، في الحقيقة كان هذا استثماره الأكبر، وذلك في العام ١٩٧١ عندما اشترى شركة تُدعى See’s Candy مقابل ٢٥ مليون دولار، وذلك من خلال شركة Berkshire Hathaway، التي استحوذ عليها لاحقاً مع نمو استثماراته. (خلال سنوات إدارته ارتفعت قيمة سهمها من ٢٠ دولاراً ليصل لـ٩٥ةدولاراً، ثم وصل إلى ما يقرب الـ٣٠٠ دولار بنهاية السبعينات)

شركة Berkshire Hathaway التي يديرها بافيت تمتلك أكثر من ٦٠ شركة، بما في ذلك شركة التأمين Geico، وصانع البطاريات Duracell، وسلسلة المطاعم Dairy Queen.

يتّبع بافيت مدرسة معلّمه غراهام للاستثمار القيمي، إذ يبحث فيها عن الأوراق المالية ذات الأسعار المنخفضة بشكل غير مبرر، بناءً على قيمتها الجوهرية في السوق، ويشتريها ويبدأ في الاستثمار فيها والعمل على تطوير طريقة عملها، إلى أن تفرض قيمتها الفعلية في السوق، وهو ما فعله مع كل شركاته كما شرح موقع الأعمال والمال Investopedia.

حريص في البداية يصبح سخياً بعد الثراء

في مطلع العام كُرم بافيت في البيت الأبيض بوسام الحرية الرئاسي، وهو أعلى وسام مدني أمريكي، وقال الرئيس السابق باراك أوباما أثناء تقليده: “بافيت ليس فقط واحداً من أغنى رجال العالم، ولكن أيضاً هو واحد من أكثر الرجال الذين يحظون بالإعجاب والاحترام، إذ أظهر أن النزاهة ليست مجرد سمة إنسانية جيدة، بل أيضاً جيدة للأعمال”.

فمنذ العام ٢٠٠٠ تبرع بافيت بأكثر من ٤٦ مليار دولار، ما جعله أكثر ملياردير سخاءً، كما تعهد بأن تذهب ٩٩% من ثروته إلى الأعمال الخيرية، و٨٣ % من هذه النسبة ستذهب إلى مؤسسة بيل وميليندا غيتس، التي أسسها أحد أصدقائه المقربين بيل غيتس.لكن هذا لا يعني أن أولاد بافيت، الآن في الستينيات من العمر، لم يتلقوا أي شيء من والدهم، إذ ذكرت صحيفة Washington Post الأمريكية في العام 2014، أن كل ابن لديه مؤسسة بقيمة 2 مليار دولار يمولها بافيت، لكنه يحب التبرع للأعمال الخيرية، لأنه يعتقد أن العطاء أمر غير مؤلم، كما يساهم في توفير حياة أفضل للآخرين.