عبدالكريم محمود

اكتشف فريق من الباحثين الدوليين منحوتات غريبة وعجيبة، لِجِمال بحجمها الكامل على صخور رملية، يعود عمرها إلى أكثر من 2000 عام، والتي تم العثور عليها في موقع الجمل في منطقة الجوف شمال المملكة العربية السعودية.

جاء ذلك في دراسة نشرتها دورية علم الآثار، في عددها الصادر يوم 15 سبتمبر /أيلول الجاري، لفريق علمي دولي، مكون من باحثين من هيئة التراث السعودية، وجامعة الملك سعود، ومعهد “ماكس بلانك” لعلوم التاريخ البشري، والمركز الفرنسي للأبحاث، وجامعة برلين الحرة، وجامعة أكسفورد.

وفي هذه الدراسة تمكن الفريق العلمي من إظهار نتائج علمية جديدة حول تاريخ النقوش الحجرية في موقع الجمل، والذي يتميز بمجموعة من مجسمات الجمال وحيوانات من فصيلة الخيليات بالحجم الطبيعي، وصفها الباحثون بأنه قد يكون الأقدم في العالم، في نحت الحيوانات المجسمة بالحجم الطبيعي. كما أن هذا الاكتشاف ويحمل عدد من الدلائل أبرزها أن هذه المنطقة كانت فيها حضارة مزدهرة تركت آثارها على الجبال الرملية. ويذكر بيان معهد “ماكس بلانك” لعلوم التاريخ البشري، أنه تم اكتشاف هذه النقوش والمنحوتات استنادًا إلى أوجه التشابه مع الأعمال الفنية التي تم العثور عليها في البتراء، الأردن.

دراسة المنحوتات

يقول البيان الصادر من معهد ماكس بلانك للتاريخ البشري وهو أحد الأطراف الرئيسية في مشروع الدراسة: تعتبر النقوش الضخمة في موقع الجمل في شمال الجزيرة العربية فريدة من نوعها. ويعتقد أن هذه المنطقة ربما كانت تستخدم كمكان للعبادة أو كانت علامات حدودية تشير إلى بعض الاتجاهات في المنطقة التي تعد طريقا تجاريا هاما في الجزيرة العربية والعراق.

ويضيف البيان: أنه من الصعب للغاية دراسة تاريخ الفن الصخري في موقع الجمل وتحديد عمره، حيث تسببت عوامل التعرية في إتلاف النقوش ثلاثية الأبعاد على نطاق واسع. ولكن ومن أجل التغلب على هذه المعوقات، وبهدف معرفة تأريخ الفن الصخري للمنحوتات على جبال موقع الجمل وبدقة عالية، استخدم الفريق مجموعة من الأساليب العلمية عبر تحليل الأدوات المستخدمة في النحت، ودراسة آثار عوامل التعرية والتحلل الطبيعيين، إضافةً إلى استخدام جهاز التحليل المشع متعدد الأطياف، وطريقة الوهج الحراري، لقياس كثافة الورنيش الصخري، وتأريخ التألق للقطع المتساقطة، بالإضافة إلى ذلك، حددت الحفريات الاختبارية مجموعة متجانسة من الحجر الصخري وكذلك بقايا حيوانات، والتي يمكن أن تكون مؤرخة بالكربون المشع، وذلك من أجل دراسة تأريخ النقوش المتآكلة بشدة، وربطها بالفترة التي كانت فيها الجزيرة العربية الخضراء موطنًا لرعاة بناء النصب التذكارية.

نتائج واكتشافات

وبحسب بيان معهد ماكس بلانك فأن عدد الجمال التي كانت قيد الدراسة والتي تم حفرها في موقع الجمل بلغ 12 جملا وهي موجودة على ثلاثة جبال من الحجر الرملي، وأن بعضها وبفعل عوامل التعرية قد اختفت معالمها لكن بعضها ما زال واضحا جدا. إلا أنه وبحسب دراسة تمت في العام 2018، فقد تم العثور في منطقة الجوف على نحو 21 نحتاً مجسَّماً، منها 17 لجِمال، واثنان من فصيلة الخيليات، وآخر لم تتضح هويته.

الصورة من المصدر

ويتميز موقع الجمل بمجموعة من مجسمات الجمال وحيوانات من فصيلة الخيليات بالحجم الطبيعي، وهي تختلف في طريقة تنفيذها عن الفن الصخري الشائع في أنحاء المملكة، إذ أنها بارزة بشكل كبير عن الصخرة التي نحتت منها ولها شكل مجسم. يقول المؤلفون في تصريح تضمنه بيان معهد ماكس بلانك: “يمكننا الآن ربط موقع الجمال بفترة ما قبل التاريخ عندما ابتكر السكان الرعويون في شمال الجزيرة العربية فنًا صخريًا وبنوا هياكل حجرية كبيرة تسمى (مستطيل mustatil ) وهو موقع الجمال وبالتالي هو جزء من نمط أوسع من النشاط حيث تجتمع المجموعات بشكل متكرر لإنشاء أماكن رمزية وتمييزها.

صناعة المنحوتات الحجرية

وفقا للنتائج العلمية فإن المجسمات الأثرية التي تم حفرها في الموقع، أظهرت وجود صناعة حجرية مميزة، بُذلت فيها جهود كبيرة في نحت هذه الحيوانات المجسمة، وربما عمل مجموعة من النحاتين على تنفيذها على مدى فترات زمنية مختلفة. ويعتقد الباحثون أن المنحوتات المثيرة للإعجاب في الموقع كانت على الأرجح جهدًا جماعيًا. ووفقا لبيان معهد ماكس بلانك: فإن كل نقش كان سيستغرق 10-15 يومًا من النحت حتى يكتمل، وخلال هذه الفترة كان لابد من إعادة شحذ الأدوات الحجرية المستخدمة في تقطيع الشكل ثلاثي الأبعاد وتلميع السطح واستبداله بشكل متكرر.

وقد أظهرت نتائج الدراسة للموقع مروره بثلاث مراحل زمنية. تتمثل في مرحلة تنفيذ أعمال النحت على مدى فترة طويلة، تلتها مرحلة تدل على غياب النشاط البشري وهجر الموقع، ثم مرحلة أخيرة بدأت تتضرر فيها المجسمات المنحوتة وتتساقط بعض أجزائها بفعل العوامل الطبيعية، مبينة أن الصناعة الحجرية بالموقع تنتمي إلى فترة نهاية العصر الحجري الحديث، التي لا يمكن الجزم تماماً بأنها معاصرة لفترة نحت المجسمات الحيوانية بالموقع.

كما أشارت نتائج الدراسة إلى أن هناك دلائل تشير إلى صيانة الأشكال المنحوتة، وأحياناً القيام بنحت أجزاء جديدة لتكون بديلة عن أجزاء تضررت بفعل عوامل الزمن، موضحة أن الفريق استطاع تتبع خطوط النحت على الصخور رغم تأثر بعض الأجزاء بعوامل التعرية الطبيعية، وعثر على الأجزاء الساقطة من النحت وأُعيدت إلى مكانها.