عبدالحكيم محمود


زعانف الأسماك رائعة لأنها تبلغ درجة البراعة على الرغم من أنها لا تحتوي على عضلة واحدة.
كشفت دراسة جديدة نشرتها دورية “ساينس روبوتيكس” (Science Robotics) في عددها الصادر يوم 11 أغسطس/آب الجاري لفريق دولي بقيادة جامعة “كولورادو بولدر” (University of Colorado Boulder) الأميركية، عن الأسرار الهندسية التي تجعل زعانف الأسماك قوية جدا ومرنة.

ويقول الباحثون إن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تؤدي يوما ما إلى ابتكار تصميمات جديدة للأدوات الجراحية الروبوتية، أو حتى أجنحة الطائرات التي تغير شكلها بضغطة زر.

القدرة المزدوجة للزعانف
يكفي النظر إلى أي حوض سمك، ورؤية الأسماك الذهبية وأسماك الجوبي الأليفة بزعانفها الذكية، التي يمكنها مع عدد قليل من النقرات الدوران في دوائر، أو الغوص في الأعماق أو حتى القفز إلى السطح.

يقول قائد فريق الدراسة فرانسوا بارثيلات في البيان الصحفي الصادر عن الجامعة “إذا نظرت إلى الزعنفة، فسترى أنها مصنوعة من العديد من الأشعة القاسية، التي يمكن معالجة كل منها على حدة مثل أصابعك، وهناك 20 أو 30 منها في كل زعنفة”.

وأشار بارثيلات إلى أن تلك الزعانف رائعة لأنها تبلغ درجة البراعة على الرغم من أنها لا تحتوي على عضلة واحدة، حيث تحرك الأسماك هذه الهياكل عن طريق نفض مجموعات العضلات الموجودة في قاعدة الزعانف.

وتتميز زعانف الأسماك بالقدرة المزدوجة على الجمع بين الصلابة والمرونة. وفي هذا الصدد يقول بارثيلات “يمكن للزعانف أن تتحول بين حالات الصلابة والمرونة، ومع ذلك فهي لا تزال قاسية جدا عندما تدفع الماء”
بحثا عن أسرار الزعانف
ولدراسة أسرار خصائص زعانف الأسماك وقدراتها، اعتمد الفريق العلمي على مجموعة من الأساليب، بما في ذلك المحاكاة الحاسوبية والمواد المطبوعة الثلاثية الأبعاد، للتعمق في فهم الميكانيكا الحيوية لهذه الهياكل الرشيقة.

وقد أفادت نتائج الدراسة بأن مفتاح زعانف الأسماك يكمن في تصميمها الفريد، حيث يتكون كل شعاع في الزعنفة من أجزاء متعددة من مادة صلبة تتراكم فوق الكولاجين الأكثر نعومة، مما يجعلها تكتسب توازنا مثاليا بين المرونة والصلابة.

والكولاجين (collagen) هو البروتين الرئيسي في الأنسجة الضامة في العضلات والجلد والأربطة والغضاريف والعظام والأنسجة، ويشكل نسبة كبيرة تصل إلى 25% من مجمل البروتينات في الثدييات وبعض الأحياء الأخرى.
وأوضح بارثيلات، أن الكولاجين في زعانف الأسماك يمكّنها من أن تنحني بسهولة، لكنه لا يمنح الأسماك الكثير من قوة الجرّ في الماء لأن القوى الهيدروديناميكية ستؤدي إلى انهيارها.

ولكن بنظرة فاحصة على هذه الهياكل تحت المجهر، نرى أن كل شعاع في الزعنفة يحتوي على بنية ذات طبقات، تشبه إلى حد ما مخبز إكلير. ويشتمل شعاع الزعنفة على طبقتين من المواد الصلبة والمعدنية تسمى “هميتريكس” (hemitrichs)، تحيط بالطبقة الداخلية من الكولاجين الإسفنجي.

لكن طبقات الهيمتريكس هذه ليست جامدة، حيث إنها مقسمة إلى أجزاء، كما لو أن شخصا ما قد قام بتقطيع الإكلير إلى قطع صغيرة الحجم، وحتى وقت قريب، لم تكن وظيفة تلك القطاعات واضحة.

الخواص الميكانيكية
وباستخدام المحاكاة الحاسوبية لفحص الخواص الميكانيكية للزعانف، اكتشف الفريق أن هذه الأجزاء يمكن أن تحدث فرقا كبيرا. يقول بارثيلات “كل الأجزاء بشكل أساسي تخلق مفصلات صغيرة”، فعندما تحاول ضغط أو سحب تلك الطبقات العظمية، فإنها تتمتع بصلابة عالية جدا وإنتاج قوى هيدروديناميكية تدفع الماء، ولكن إذا حاولت ثني الطبقات العظمية الفردية، فهي متوافقة للغاية”.

من ناحية أخرى، قام الباحثون باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج زعانف سمكية نموذجية مصنوعة من البلاستيك، بعضها مزود بتلك المفصلات والبعض الآخر بدونها. وقد وجد الفريق أن التصميم المجزأ يوفر توليفات أفضل من الصلابة وقدرات التحويل.

وأضاف بارثيلات أن الأسماك الطائرة -على سبيل المثال- تنشر زعانفها لتنزلق فوق الماء، بينما تستخدم أسماك الطحالب زعانفها مثل الأرجل للمشي على الأرض.

ويطمح الباحثون في هذه الدراسة -كما قال بارثيلات- إلى تعزيز فهمنا للخصائص المذهلة للعالم الطبيعي، واستثمار هذا الفهم في العديد من التطبيقات، مثل صناعة الدروع الواقية والنظارات المتينة وأجنحة الطيران وغيرها.