عبدالحكيم محمود

صحفي علمي



إن أشجار القرم أو ما يعرف بالمانغروف Mangrove التي تنتشر في بيئات المناطق الساحلية تعد بمثابة نظم بيئية نادرة ومدهشة وغزيرة على الحدود بين البر والبحر، كما تحتل مكانًا بيئيًا خاصًا للغاية، حيث أنها تنمو في ما يسمى نطاق المد والجزر، أي المناطق الساحلية التي تكون تحت الماء عند ارتفاع المد والجافة عند انخفاضه. كما تكتسب أهميتها البيئية لأنها تدعم التنوع البيولوجي الغني وتوفر موطن حضانة قيّمة للأسماك والقشريات، بالإضافة إلى أنها تعمل كشكل من أشكال الدفاع الساحلي الطبيعي ضد العواصف وموجات التسونامي وارتفاع منسوب مياه البحر والتآكل.وعلى الرغم من هذه الأهمية البيئية لغابات القرم، إلا أن الدراسات والمسوحات بيّنت أن غابات القرم تختفي بمعدل يتراوح بين ثلاث وخمس مرات أسرع من إجمالي خسائر الغابات في العالم، مع آثار بيئية واجتماعية اقتصادية خطيرة، وتشير التقديرات الحالية إلى أن تغطية أشجار القرم قد انخفضت إلى النصف خلال السنوات الأربعين الماضية، ومنها انخفاض مساحة تلك الغابات في منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي.ووفقا لدراسة حديثة أجرتها جامعة بون الألمانية ونشرتها دورية Quaternary Research، فقد اختفت معظم غابات القرم على سواحل عُمان منذ حوالي ستة آلاف عام، وقد اكتسب هذا الموضوع البيئي المرتبط بمنطقة شبة الجزيرة العربية أهمية خاصة كما كانت مثار جدل واختلاف بين العلماء والباحثين في الايكولوجيا البحرية والساحلية.تُلقي هذه الدراسة الضوء على الأسباب التي أدّت إلى انهيار النظم البيئية الساحلية في سواحل عمان واختفاء غابات القرم عنها. وتثبت الاكتشافات الأحفورية التي عثر عليها الباحثون أنه كان هناك العديد من بحيرات القرم على ساحل عمان، ولكن، منذ حوالي ستة آلاف عام اختفت فجأة إلى حد كبير، وكانت أسباب ذلك موضع خلاف سابقًا.وتقول الدراسة حسب البيان الصادر من جامعة بون إلى أن أبرز الأسباب التي أدّت إلى انهيار تلك النظم البيئية هو التغير المناخي والانخفاض المفاجئ في هطول الأمطار. كما تستبعد الدراسة أن تكون النشاطات البشرية والإفراط في التعامل واستخدام النظم البيئية البحرية وكذلك انخفاض سطح البحر من الأسباب المؤدية إلى انهيار تلك النظم البيئية، حيث كانت سرعة الانقراض هائلة، وتم فقدان العديد من أرصدة القرم بشكل لا رجعة فيه خلال بضعة عقود.وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، سافرت فاليسكا ديكر من معهد علوم الأرض بجامعة بون، والمؤلف الرئيسي للدراسة عدة مرات إلى أقصى شرق شبه الجزيرة العربية لمتابعة الإجابة على هذا السؤال وهو السؤال الذي كان مطروحا ضمن أطروحة الدكتوراه، وبدعم من مشرف رسالتها غوستا هوفمان، فقد جمعت العديد من الاكتشافات الجيوكيميائية والرسوبية والأثرية في صورة شاملة. وتقول: “من وجهة نظرنا، يشير كل شيء إلى أن انهيار هذه النظم البيئية له أسباب مناخية”.ورصدت ديكر في دراستها تغيرات مناخية كان لها تأثيران، وهما التسبب في تملح التربة، مما وضع غابات القرم تحت ضغط شديد، ومن ناحية أخرى، انخفاض الغطاء النباتي في المناطق المتضررة بشكل عام بسبب الجفاف الأكبر، وبسبب هذه التعرية المتزايدة حملت الرياح كميات كبيرة من التربة الجرداء إلى البحيرات.وتضيف قائلة: ” حدث كل شيء بسرعة مفاجئة، وربما اختفت النظم البيئية في غضون بضعة عقود”.

نشرت في موقع منظمة المجتمع العلمي العربي