نبيل الزعبي


لعل من سخريات هذا الزمن ان ترفع الشعار وتعمل بنقيضه بعد ان تحولت السلطة الى بريق للمهووسين باعتلاء سدة الحكم بإي طريقةٍ من طرق التملُق للناس وملامسة عواطفهم والتعظيم من شأنهم عند الحاجة الماسة لهم ،
انهم “الشعب العظيم “الذين لا بد من فعل المستحيل لجعلهم يردون الجميل ل”العظيم”الذي خاطبهم بالعظماء الى الدرجة التي صنعوا منه “ايقونةً “وطنية رأى فيها اللبنانيون انها الاقدر على العبور الطوائفي والمناطقي لتخليصهم من ترسّبات حرب طائفية طاحنة ،
حرقت الاخضر واليابس في البلد واحدثت تصدُعاً في الحياة السياسية الداخلية فحوّلتها الى كانتونات طائفية ومذهبية عشعشت في النفوس ،
وجاء من يكرّسها في النصوص الدستورية غير مبالٍ بالشعارات الوطنية البرّاقة التي قدم نفسه بها على انه المخلّص،
وزاد من ثقة الناس به ما قدمه من تضحيات شخصية في سبيل هذا الهدف نفياً وتغييباً سياسياً لما يقرب العقد والنيّف من السنين .
لا يدخل ضمن هذا السرد ان
اهالي ضحايا المرفأ رُفض طلب مقابلتهم لرئيس الجمهورية صاحب شعار “الشعب العظيم “منذ سبعة اشهر لالسبب سوى انهم طلبوا سؤاله عن المعلومات التي يملكها عن جريمة المرفأ واعتبر المستشارون المقرّبون انه تحقيق والرئيس لا يُحَقّق معه ،
كما انه لا مجال للمقاربة مطلقاً بين هذا الشعب “العظيم” الذي صنع عظمة الرئيس ،
والشعب “الطز” كما وصفه الرئيس اياه ونصحه بترك البلد ذات يومٍ،
او ذاك الشعب الذي صارحه ايضاً بأن ما من طريق امامه هذه الايام سوى “جهنم” التي يعيش اللبنانيون بئس مصيرها ولا من يبالي ، وكأن هذا الشعب بات يتيماً من ابٍ تخلى عن مسؤولياته عندما اقتضت الحاجة ،
وامُ مغيّبة اساساً وقد كانت ترمز الى الدولة الرؤوم بكامل مؤسساتها ،
فاستُعيضَ عنها ب”الأم” الحنون التي لطالما داعبت عواطف اطراف لبنانية معينة ،
ومع ذلك عجزت ،وبقي “حنانها ” رهين توافق الداخل المنقسم بدوره على الذات “الوطنية” الواحدة .
كم من الفِرَص الوطنية اضاعها صاحب “جهنم ” على اللبنانيين الذين رأوا فيه المخلّص يوماً فأعطوه من الثقة والامل ما لم يحلم به زعيم لبناني قبله ،
وفي خِضّم معاركه المفتوحة مع الداخل والخارج يوم عُيًن رئيساً للحكومة العسكرية ،
كانت الشريحة الكبرى من مقاتليه والمدافعين عنه بشراسة،
هم العسكر أبناء عكار وطرابلس الذين قابلوه بتضحيات ومواقف وقدموا شهداء وجرحى ،
يا ليته عرف ان يحافظ عليها ويحتضنها ويكرّس نفسه قائداً وطنياً لا منازع له ،لولا انه فضّل الطائفة والمذهب على الوطن،
وهدر كل ما قدّمه له المخلصون في سبيل موقع ما لبث ان عرّى من خلاله نفسه امام الجميع ،
متنكراً لماضيه ومستسلماً لحفنة مستشارين زيَنوا له ما هو عليه من عزلة شعبية وتركوه مغيّباً عما يدورحوله ،
والدولة تنهار والشعب يجوع والبلاد على حافة الانفجار الامني الاجتماعي .
لعله يدري او هو في غيبوبته اليومية، ان جلّ من يتقرّبون منه اليوم تخلوا عن احزابهم وتنظيماتهم لغلُوهم الطائفي والمذهبي ووجدوا فيه من الغطاء المعنوي للتنفيس عن تطرفهم المكروه من اللبنانيين وتعصبهم المخيف الذي ينم عن توقهم الى اشعال فتن طائفية ومناطقية،
ولا يخلو اثير الفضاء يوماً من مواقفهم الاعلامية المسمومة التي صارت حديث الخاصة والعامة في البلد مما يثير القرف والسخرية في آن .
من يدفع من !
الى التنكر للماضي وخذلان الذين اعطوه دون مقابل ،
وهو الذي ما ان وطئت قدماه ارض المطار بعد نفيه الطويل ،عاهد شعبه بالقول :
“اذا رأيتم مني طائفيةً أو مذهبيةً انبذوني “،
ويا ليته لم يعد ولم يصرّح فلم ينزلق الى هاوية الجحود والنكران ،
وبقي “ايقونة “يعلقها الشعب على صدر الوطن وكتب التاريخ ،
هذا اذا انصفه التاريخ و”شعب لبنان العظيم “،
وقد فات الاوان .