نبيل الزعبي



تفتح صفحات الشبكة العنكبوتية باحثاً عن كل ما يتعلق بعصابات المافيا العالمية لمقاربة قوانينها وما يحصل في لبنان من فساد وعصائبية،
فتصدمك الحقائق وتكتشف انه حتى في دواخل هذه العصابات المافياوية ،
يوجد حدود دنيا من الرحمة والحرص على عدم التدخل في شؤون البسطاء والفقراء ،
طالما لا يهدد هؤلاء مصالحهم الخاصة ، فتعجز عن المقارنة بين سياسيينا وهؤلاء فلا تجد غير عبارة “الانذال” تليق بمن يتولون شؤوننا في البلد واوصلونا الى مرحلةٍ من الانهيار والسقوط، كل اسبابها النذالة ،التي ما بعدها نذالة .
واذا كان الوصف يعجز عن توصيف جريمة مرفا بيروت المسماة بجريمة العصر ،فإن
ثمة نقطتان مضيئتان في وسط الظلام المخيف المهيمن على القضية وكل ما يتعلق بحقوق اهالي الضحايا والمتضررين ،
تبرزان اليوم بكل قوة ولا يمكن بأي شكل من الاشكال تجاهلهما:

الاولى صادرة عن اهالي الضحايا والمتضررين انفسهم وقد آلوا على انفسهم ان لا تتسبب هذه المنظومة السياسية الفاسدة في قتل ابناءهم مرتين وهي تماطل في رفع الغطاء الامني والنيابي والسياسي على المشتبه بهم والمدعى عليهم ،المطلوب مثولهم امام المحقق العدلي في جريمة المرفأ،
-الثانية: اصرار المحقق العدلي في الجريمة على المضي في تحقيقاته واستدعاءاته الى النهاية ،وهو الذي يدرك حجم المخاطر الشخصية التي ستطاله ،واضعاً الحقيقة والوصول اليها وكشفها ،مقدمةً علىى امنه الخاص وسلامته الشخصية وحياته المهنية.
بين هذه وتلك من الاضاءات تبرز ايضاً ايجابيتان لا يمكن القفز فوقهما بالمطلق :
١-تعرية المسؤولين وفضحهم وكشفهم امام الرأي العام الداخلي والخارجي كلما تطور سياق التحقيق وزاد التمنع في رفع الحصانات ،
٢ -ان جريمة المرفأ اصبحت قضية رأي عام لا يمكن التملّص منها او التعمية عليها ،وبالتالي فان جميع المتورطين اصبحوا تحت مجهر المراقبة والمساءلة ، وبات من المستحيل العودة الى الوراء.
من هنا تبرز اهمية القضاء العادل النزيه وغير المسيس وضرورة فتح ملف القضاء في لبنان على مصراعيه، سواء بتحريره من ربقة السياسيين عليه ،او بتكريس سلطته المستقلة كما ينص عليه الدستور اللبناني ،وتنص القوانين الداخلية التي على القضاة العمل بموجبها وعدم تجاهلها او تأخير ذلك، كما هو حاصل في التشكيلات القضائية المحبوسة في الادراج من زمن ليس بالقليل .
صحيح ان القضاء اللبناني ليس بالخير الذي يرومه طالبوا العدالة ، وانما ذلك لا ينفي وجود قضاة اكفاء يديرون ظهورهم لكل من يحاول التدخل في اعمالهم ، ولهؤلاء تُرفَع القبعات تقديراً واحتراماً ،وكل الآمال معلقة على وجودهم كنواة اساسية صلبة يصعب معها اختراق الجسم القضائي، وتزيد من تحصيناته وهيبته،
وان ما يطالعنا اليوم من مواقف شعبية تدعو الى عدم المس بالقضاء ،حيث تنتشر وتتمدد انطلاقاً من التصميم على مساندة قاضي التحقيق المولج بجريمة المرفأ وكلها تحمل عبارة (نحن معك )،
يبعث على الامل ان ينتفض الجسم القضائي برمته على الفاسدين وهو يتسلح بالشعب ،وليس غير الشعب يحمي القضاء وينتصر للشهداء والجرحى والمتضررين في جريمة مرفأ بيروت ،وادخال السكينة الى قلوب ذويهم كي يتأكدوا ان ابناءهم واخوتهم الشهداء لن يموتوا مرتين .