نبيل الزعبي


لم يكن الانسان العربي يوماً شخصاً هامشياً على التاريخ كما الجغرافيا،وانما يزخر تراثنا القديم والحديث بكل ما قدمه العرب للانسانية من حضارة ومدنية وتقدم وابداع في مختلف مجالات العلوم التطبيقية منها والانسانية والبطولات النادرة،والعربي الذي يخاطبك اليوم من اليمن والجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وارض الكنانة وبلاد المرابطين ،ليس سوى الامتداد البيولوجي لمن بنوا سد مأرب ،ومن حملوا الرسالات السماوية الى اصقاع العالم مبشرةً بالعدالة والرحمة، فأرسوا مداميك الامن والاستقرار اينما حلّوا ،بعدما ادهشوا العالم في بناء الاهرامات في مصر ،وتصدير الابجدية وقانون حمورابي وخزنة البتراء ونواعير المياه على ارض سوريا الطبيعية ،الى جامعة القيروان وما اضافه مغرب الوطن من اضافات فكرية وفلسفية للثقافة التي حملها العرب الى الغرب ولم يزل يحتفظ بقواعدها واشراقاتها في جامعاته الاكاديمية حتى اليوم .لم يكن العربي جباناً البتة وهو يخوض معارك الدفاع عن القِيم الانسانية ويسجل له التاريخ انتصارات لم تدفع به الى الغرور ،وانكسارات لم تفتُ من عزيمته ولم تشكل اية عوائق له نحو المحاولة من جديد والاستعداد لما هو اخطر .هكذا كان العربي على مدى التاريخ متمثلاً في  بيتٍ من معلّقة امرؤ  القيس الشهيرة وهو يمدح حصانه المتأهب للقتال :مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معًا كجُلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ .تلك المعادلة عبّر عنها عمر المختار في ليبيا عندما حدّد أن للمعركة مع الاعداء وجهان : ننتصر او نستشهد ، ليلاقيه صدام حسين وهو ينتصر في قادسية العرب الثالثة ،مكرسَاً حقيقة ان ليس امام المقاتل المؤمن سوى اعالي القمم او تحت سنابك الخيل ، والخيل العربية  حصراً ،معقودُ في نواصيها الخير على الدوام . وفي فلسطين ، لم يخرج شعبها المقاوم عن تلك المعادلة يوماً وهو يعيش سنوات المواجهة  امام كل شياطين الارض المتمثلة بالصهيونية العالمية ومن رعاها ويرعاها من استعمار قديم وحديث ،ليستأهل ابن فلسطين اليوم ان يمثل كل عربي داخل الوطن العربي وبلاد المعمورة وهو يتشبث بالحرية والدفاع عن قيَم الحق والعدالة وحقوق الانسان .ان اسطورة الفينيق لم تكن لتأتي عبثاً وتتناقلها الاجيال لولا ما تختزنه ارادة العربي من قدرات هائلة تغالب الفناء حاملة في ذراتها كل مقومات الاستنهاض والصمود والقيامة من جديد ، تلك  القيامة يعيشها ابن فلسطين قبل غيره من ابناء المعمورة وهو يحيي قيامة المخلّص من الموت كل عام لما يفوق الالفين من السنين وقد   امتزجت تربة بلاده  بدماء وعذابات السيد المسيح ، في بلاد مجّدها  الخالق بجعلها مسرى رسوله العربي ومعراجه للسماء واولى قبلته للصلاة . لقد اثبت شعبنا في فلسطين ان العين تستطيع ان تقاوم المخرز اذا توفر لها  ظفرُ وناب ،وان تكسر  كل المعادلات التي زرعت اليأس والاحباط في الامة للقبول بالامر الواقع  وتسخير كل الطاقات منذ اغتصاب فلسطين ،بهدف الغاء القضية الفلسطينية ،التي بقيت  رغم كل ذلك ،حية ًتتناقلها الاجيال، ليفاجأ العالم اجمع ان جيل القرن الواحد والعشرين يعيش  اليوم قضية اجداده وآبائه بوعيٍ متقدم وصلابة مدهشة واصرار على التمسك بالهوية ،معيداً الصراع الى مرحلة الاربعينات وما قبل من القرن الماضي ،وكأن الامس يعود اليوم متكرراً ومتجدداً بهؤلاء الفتية طليعة الجبارين .من كان ليصدّق،غير المؤمنين بامة العرب وقدراتها، ان نظرة الاستاذ ميشال عفلق لقضية فلسطين في منتصف اربعينات القرن الماضي تتحقق اليوم بعد اكثر من سبعة  عقود من السنين على ايدي فتية لا يتعدون الثالثة عشر وما فوق من ربيع العمر وهم يؤكدون ان فلسطين لن يحررها الا الكفاح الشعبي وان امتنا موجودة حيث يحمل ابناؤها السلاح ، وستنتصر فلسطين ليس لان المجتمع الدولي سيعيد الحقوق الى الشعب الفلسطيني على طبقٍ من ذهب ، وانما لان شعب فلسطين بشيبه وشبابه هو الذي سينتزع هذه الحقوق مثبتاً انه الاقدر على ذلك اذا توحدت لديه الارادة والبندقية والموقف ،في ثورة مستمرة حتى التحرير والنصر المؤزر .