نبيل الزعبي

(على الورق)….
هي عبارةُ لطالما سَهَوْنا عنها في ابجدية يومياتنا ومفرداتها التي لا تفارقنا اللحظة باللحظة فلا ترسخ في الذاكرة او تلقى اي انتباه.
ويذكر التاريخ ان اول من استهان بالورق في العصر الحديث هو الزعيم الصيني ماوتسي تونغ عندما شبًه الولايات المتحدة الاميركية يوماً بانها مجموعة “نمور من ورق”،
ولو كان هذا الوصف على ايام (الورّاقين )في العصر العباسي ،
لكان اول من انتفض عليه الجاحظ وغيره من اعلام وادباء ذلك العصر ،
لما كان للورق من اهمية في نسخ الافكار والنتاج الثقافي والادبي،
ولكنها السياسة وصراع المصالح التي تدوس اليوم ،ليس على الفكر والادب وحسب ،وانما تأخذ في طريقها اممُ وشعوب تغيّر في ثقافتها وتستهين بحضارتها وتجعل الدول تحت جدول القِسمة والضرب لديها دون اي وازع اخلاقي يُذكر ، اقلّه الالتزام بمواثيق الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان والمعاهدات الدولية .
اما الورق ،فمن حقه اليوم ان ينتفض بدوره بعد ان صادرت التكنولوجيا وثورتها ،
دوره الريادي في الدخول الى ادمغة البشر وتأهيلهم الفكري بوجود وسائل حديثة الكترونية جمعت ملايين الكتب في جهاز واحد اصغر من كف اليد الواحدة ؛ولوكان الجاحظ في زمانه ليعلم بهذا ،
لفضّل ان لا يموت الا في هذا الزمن ،
وتجنب الموت مدفوناً بالكتب والمجلدات التي وقعت عليه ذات لحظة تلذُذ بالقراءة واردته على الفور ،
دون ان ترحم شلله وشيخوخته وسنوات عمره التسعين .
ألم يضرب بوش الابن بعرض الحائط كل قرارات الامم المتحدة والمحاذير الدولية ويمزّق اوراقها وهو يغزو العراق ويدمر دولةً باكملها ومعها حضارات آلاف السنين حين تباهى وزير خارجيته يومها انه (سيعيد العراق الى العصر الحجري)،
وألَم يستهن الكيان الصهيوني بكل قرارات مجلس الامن الدولي في رفضه للقرارات ١٩٤و٢٤٢و٣٣٨ وابقى على كذبة انشاء الكيان الصهيوني و (شعب الله المختار وارض الميعاد ثم المحرقة بعد ذلك )ليفعل الصهاينة بالفلسطينيين ما لم يتجرأ على فعله اعتى مجرمي التاريخ فيزوّرون كل شيئ ويصطنعون حقوقاً ليست لهم في اوراق مزيفة وعندما تكون بعض اوراق الامم المتحدة ومجلس الامن وقراراتهما لغير صالح الكيان ، سرعان ما يمزقون الورق وينقضون التعهدات .
اَلَم يجمع العرب معاهدة اسمها (الدفاع المشترك) بقيت بدورها على الورق فيما اقطار العروبة عُرضة للتقسيم والعبث بوحدتها وحتى بوجودها فلا ترى غير بيانات استنكار وادانة لا تساوي في قيمتها،قيمةًالورق الذي تُكتَب عليه.
اَلَم يأتِ في الدستور اللبناني ان التوزيع الطائفي هو حالة مؤقتة بقيت بدورها (على الورق) وشهد لبنان بسببها حروباً داخلية كادت تعصف بكيانه ثم جاء اتفاق الطائف ليُنَفًذ منه القليل القليل وبقي الاهم فيه (على الورق) ولم نزل نكافح كي لا تتكرر المآسي ويعيد التاريخ المأساوي انتاج نفسه من جديد.
(على الورق) هي العبارة التي لا تفارق السنة من اغتصبوا ارادة الناس وحقوقهم في الحرية والتعبير فاكتفوا بمصادرة الحريات على ارض الواقع وتركوا الورق للناس.
وحدها الورقة الناطقة هي (الموقف) اليوم،
وهي الصوت الأبلغ والاقوى من كل الجيوش الالكترونيه وذبابها، مع التمني لهؤلاء جميعاً ان يقتصدوا في (الاحبار )التي يهدرونها تثبيتاً لمواقف لم يعد يجتمع عليها اللبنانيون بشرائحهم الاجتماعية المختلفة ،
ومساهمةً في وقف الانحدار المتواصل في القِيَم والاخلاق قبل كل انحدار آخر ،
حيث لم ينفع الكلام بعد اليوم مع من لا (حياء) لهم حين تنادي،
وقد تعطلت لغة الضاد معهم وبات (الموقف) هو المعيار لكل ما يجب ان نكتب ونقرأ،كي لا نسهم بدورنا في هذا الانحدار الجنوني الذي لن يجد فيه اي طرفُ انه انتصر على الآخر وقد انهارت كل مقومات الدولة القادرة امام الجميع ولم يعد من سقف ٍ جامع يتفيأ تحته الجميع وقد اضحينا بعد ذلك دولةً على الورق ليس الاّ .
٦/٦/٢٠٢١